أحمد الحضري يكتب : ”جهاز مستقبل مصر” ببن الانجاز والاستدامة
ظهر جهاز " مستقبل مصر " للتنمية المستدامة خلال السنوات الأخيرة كأحد أهن الأذرع التنفيذية الجديدة داخل الدولة المصرية، في توقيت اتسم بتعاظم التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي واضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع حساسية فاتورة الاستيراد للصدمات الخارجية.
هذا السياق فرض الحاجة إلى أدوات تنفيذية قادرة على التحرك السريع خارج الأطر البيروقراطية التقليدية، بما يسمح بترجمة التوجيهات الاستراتيجية إلى نتائج ميدانية ملموسة خلال مدد زمنية ضاغطة.
في هذا الإطار، قدّم الجهاز نموذجًا مختلفًا نسبيًا يقوم على مركزية القرار وسرعة الحشد وتكامل التنفيذ عبر حلقات الإنتاج والتخزين والنقل والخدمات اللوجستية المرتبطة بها. هذا النمط التنفيذي أتاح تجاوز كثير من عنق الزجاجة الإجرائي الذي طالما عطّل إنجاز مشروعات استراتيجية في قطاعات حيوية، عبر تقليص حلقات التنسيق المطوّلة وتسريع إجراءات التعاقد والتنفيذ، وهو ما مثّل قيمة مضافة حقيقية في ملفات تتصل باستقرار الإمدادات وتعزيز قدرة الدولة على إدارة مخاطر الأسواق العالمية وتقلباتها.
كما أسهم تبنّي منطق المنظومة المتكاملة بدلًا من منطق المشروعات المنعزلة في تقليص فاقد الكفاءة عبر سلاسل القيمة وتحسين الانضباط التشغيلي، بما يعزّز الجدوى الاقتصادية للاستثمارات العامة الموجّهة لقطاعات إنتاجية حساسة. ويمثل هذا التحول تطورًا نسبيًا في التفكير التنفيذي، حيث يتم التعامل مع الإنتاج وسلاسل الإمداد بوصفها منظومات مترابطة لا حلقات منفصلة، بما يرفع من مرونة النظام ككل أمام الصدمات الخارجية.
في المقابل، يثير هذا النموذج التنفيذي الاستثنائي تساؤلات مشروعة حول استدامته المؤسسية على المدى المتوسط والطويل، لا سيما في ظل اتساع نطاق ولاية كيان يتمتع بهوامش مرونة واسعة ويمارس أدوارًا عابرة للقطاعات. هذا الوضع قد يفضي إلى تداخل الاختصاصات مع الوزارات والهيئات القائمة إذا لم يُحاط بإطار حوكمة واضح يضبط حدود الأدوار ويضمن التكامل المؤسسي بدل الإزاحة الوظيفية للأجهزة القطاعية.
كما يظل السؤال مطروحًا حول قدرة هذا النموذج على الحفاظ على كفاءته حين تنتقل الدولة تدريجيًا من منطق التدخلات الاستثنائية إلى منطق السياسات العامة المستقرة والمؤسسات الدائمة. التحدي هنا لا يرتبط بجدوى التجربة في لحظتها الراهنة، بل بكيفية إدماجها لاحقًا ضمن هيكل تخطيطي وتنفيذي متماسك يحافظ على مزايا السرعة والفعالية دون الإخلال بتوازنات المنظومة المؤسسية العامة أو إعادة إنتاج الاستثناء كقاعدة دائمة.











