الشاعر محمود خير الله يفتح النار في حوار خاص : الشعر التقليدي لا يمثلنا وأصبح ”ابناً للبترودولار”!
قصيدة النثر تمرد على قواعد سقطت.. والتاريخ سينصفنا!
أساتذة جامعات ونقاد بذلوا جهداً عظيماً لتخريب النقد والشعر والدرجات العلمية تمنح لغير المستحقين !
90% من حياتنا عبثية.. والغموض ضرورة للتعامل مع هذا العصر .
نحن بحاجة لـ 400 سنة لنعرف قيمة قصيدة النثر
الشعر ليس أوزاناً وقوافي بل طاقة تحرك المشاعر وتجسد العصر
غياب القضية جريمة.. وقصيدة النثر هي الأقدر على التعبير عن حريتنا .
" عرفته منذ سنوات طويلة ، شاعراً ومثقفا فريداً، من اهم المخلصين لقصيدة النثر والمؤمنين بها علي مدار ٣٠ عاماً.. له ٦ دواوين شعرية وآخر تحت الطبع ، له أسلوبه الخاص ، ومفرداته السهله البسيطه التي تعبر عما يريده ، يرفض الهجوم الموجه لقصيدة النثر ويراها ضرورة واقعية وجمالية وأكثر تعبيراً عن الغموض الذي يكتنف حياتنا .. انه الشاعر محمود خير الله التقته بوابة البرلمان في حوار ساخن جدا فتح في النار واشتبك مع العديد من القضايا الثقافية بكل جرأة ..
لا يزال هناك من يتهم قصيدة النثر بأنها اعتداء على بلاغة الماضي وانتهاك لها رغم أنها مكتوبة ومقروءة في كل اللغات تقريباً؟
ـ الأثر الأكبر الذي تسبب في انتشار ثقافة قصيدة النثر في أوروبا والعالم كان التطورالذي حصل للصورة، ومن ثم تغيرت النظرة إلى الصورة الشعرية، وقد بدأ الاهتمامبالتصوير في أوروبا منتصف القرن التاسع عشر، ومن ثم بدأت السينما 1905 معالأخوين لوميير،بدأ قصيدة النثر بودلير ورامبو وسبقا كل الظواهر، بعدهما زاد شعراءالنثرفي العالم كلما تطورت المدينة الحديثة، حيث الأحوال الاقتصادية والاجتماعيةفي أوربا تتطور لتصبح الحياة أكثر سرعة، لذا ظهرت “قطارات السكة الحديد”، وكل مايمثل المدنية الحديثة من ظواهر، وظهرت مدارس جديدة من الفن التشكيلي، كل هذهالتطورات قلبت الوضع عندنا، بالنسبة إلى الصورة التقليدية الخاصة بالشعر العربيالقديم.
هل من حقنا أن نسأل الآن ما الذي أضافته قصيدة النثر؟
ـ ربما لم تضِف شيئا وربما ليس مطلوباً منها أن تضيف، سوى أنها عبرت عن تغيّر العالموتبدله، حيث الشاعر لم يعد بحاجة إلى كل هذه الإيقاعات الموسيقية الصاخبة لكييكتب أحزانه، بقدر ما عليه يكون بحاجة إلى أن يكتب المشهد معتمداً على إيقاع حياتهاليومية، حيث تبقى القيمة ببقاء المشهد نفسه وبقائه قادراً على إثارة الدهشة،وبالتالي فإن القيمة الحقيقية للشعر ليست في الأوزان ولا في الإيقاع الموسيقي.
هذا يعني أن قصيدة النثر لها وجاهتُها جداً؟
ـ نعم، إيقاع قصيدة الشعر العمودي هو إيقاع الجمل، لأن الإنسان الأول الذي ركبالجمل وشعر بقيمة السرعة وانتبه إلى قيمة الوقت، لأدرجة أنه أصبح عبداً لإيقاعاتالجمل، لذا ظل يكتب الشعر على إيقاع أسرع وسيلة مواصلات عنده، والآن يركبالشاعر المترو والقطار السريع والطائرة، لماذا علينا أن نظل إلى الآن منبهرين بسرعةالجمل وإيقاعاته.
لكن إذا كانت قصيدة النثر قد تحررت من القوافي والوزن ـ وهذا حق مشروع ـ لماذا تحرصون ـ إذن ـ على تسميتها بالشعر؟
ـ لأن ما نقوله منذ عقود هو أن مفهوم الشعر لابد أن يكون أكثر اتساعاً من الأوزانوالقوافي التي أراد بعض النقاد العرب القدماء اعتبارهاالشكل الوحيد و”المقدس”للقصيدة، لذا نحن نحترم ونقدر نصوص النثرية التي كتبها فلاسفة عرب في القرونالهجرية الأولى ونعتبرها شعراً مثل نصوص “النفري” على سبيل المثال، التي نعتبر ماجاء فيها شعراً صافياً أكثر نقاء شعرياً من “ألفية ابن مالك” النحوية مثلاً. كما أن تصورأن “الشعر كلام موزون مقفى” هو تصور متخلف جداً للشعر، لأن الشعر في العالم كلهأصبح هو الكلام الذي يستطيع أن يحرك مشاعرك بقدرات معينة وبطاقات معينةوبمستوى وأداء لغوي معين.
هل شعراء النثر أبطال من ورق صنعتهم وروجت لهمالسوشيال ميديا؟
ـ محمد الماغوط أعظم شعراء النثر العرب عاش ومات قبل السوشيال ميديا! كما أنبسام حجار وأدونيس ووديع سعادة ورفعت سلام وحلمي سالم هم نجوم قبلالسوشيال وبعدها، أقصد أنه لو كان هناك فئة من الشعراء حققت تواصلاً مع الجمهورمن خلال السوشيال ميديا فهذا لا يعني شيئا عظيماً للشعر، لأن الشعر ينطوي علىعنصر الزمن، بمعنى أن الزمن كفيل بالقضاء على الكثير من الظواهر الشعرية المؤقتة،فإن كنت أيها الشاعر الشاب تستطيع أن تشتري “اللايكات” الآن فمن أين يمكن أنتشتري قيمة البقاء في الزمن.
عفواً لماذا لا يستشهد أحد ببيت شعري واحد من قصيدة النثر.. بينما الجميع يستشهدون بالشعر القديم؟
ـ طبعاً أكيد كلنا يستشهد بالشعر القديم الذي تجرعناه في المدارس وفرض علينا أننتعلمه ونحفظه، على عكس قصيدة النثر التي لا تحظى بالقبول لدى صناع المناهجالدراسية حتى اليوم.
ألا تعتقد أن بعض شعراء قصيدة النثر يهربون إليها باعتبارها ملاذاً آمناً لمن لا يستطيع كتابة الشعر الموزون؟
ـ نعم أوافق على هذا الاتهام، وبعض مما يُكتب من قصيدة النثر هو محاولة للاستسهالأيضاً، لكن هناك في المقابل ما يُكتب في قصيدة النثر ويستحق أن نعتني بقراءته لأنهتجاوز للواقع واختراق له، بعض الشعر الجديد تعبير عن الذات من خلال اختراق للسائدوالمألوف، وهو محاولة للتعبير عما نعيشه الآن وليس ما سبق أن عشناه، وأنا أحبكثيراً من نصوص قصيدة النثر التي أقرأها لبعض الشعراء الشباب، وأعرف عن قناعةتامة أن مصر ولادة بالشعراء والشاعرات دائماً وأبداً.
أين تنتهي قصيدة النثر وتبدأ الخاطرة الأدبية؟ .. هل هناك معيار واضح للفصل بينهما؟
ـ لا حاجة للشعراء بالمعايير الأمر هنا يخص النقاد وحدهم، ولهؤلاء معايير كثيرة، منهاأن يكون النص يتمتع بما رأته سوزان برنارفي قصيدة النثر الفرنسية قبل سبعين عاماًمن العناصر الثلاثة “الإيجاز والتوهج والمجانية”، لكن النقد في بلادنا لم يبذل الجهدالكافي لنشر هذه المعايير كوعي عام. لكن هناك معايير كثيرة تفرق بين النص النثريالحقيقي والخاطرة. الخاطرة ابنة لحظتها، لكن النص النثري الحقيقي هو الذييستطيع أن يعيش ويبقى مع الزمن وهذا معيار فني عام.
بأي معيار يمكن أن نحاسب شاعر قصيدة النثر إذا لم يكن هناك وزن وقافية؟
ـ المضمون الذي يقدمه هو الذي يمكن أن أعتبره معياراً أولياً، والمضمون هنا لا يعنيبالضرورة أن يكتب الشاعر في “القضايا كبرى”: الحب والظلم والقهر ومعارضةالاستغلال والاستعباد وخلافه ليس كل ذلك فقط، لكن القيمة الحقيقية للشعر تكمن فيأن يعرف الشاعر قيمة ما يكتبه حتى لو كان يحكي عن عالم النمل الذي يعيش تحتالبلاط في كل بيت.
أفهم منك أنك تحمّل النقد أو النقاد مسؤولية الجهل بالشعر الجديد؟
ـ طبعاً، لدينا نقاد وأساتذة جامعات بذلوا جهداً عظيماً لتخريب النقد ولتخريب الشعركذلك، ويُسأل في ذلك بعض النقاد الذين منحوا باحثين خليجيين وعراقيين درجاتعلمية غير مستحقة بالاعتماد على قوالب نقدية ثابتة في قصيدة الشعر العموديوالتفعيلي، الأمر الذي دفع بعضاً منهم إلى الجلوس في مقاعد التحكيم في مسابقاتتدفع مكافآت بالملايين للشعر العمودي في بعض العواصم العربية، لدرجة باتت تدفعإلى الظن بأن الشعر العمودي التقليدي أصبح هو الابن “بالتبني” لمجتمع البترودولار.
هل قصيدة النثر امتداد حقيقي للشعر العربي أم أنها تأثر واضح بالنموذج الغربي ومحاولة لاستنساخه؟
ـ هل تستطيع أن تقول إن استخدامنا مثلاً للموبايل هو محاولة لاستنساخ الثقافةالغربية؟.. هذه النظرة القاصرة يجب أن نتخلص منها، لأننا نعيش في عصر التقاربالثقافي أصلاً وكل انسان هو ابن عصره، وما نغنيه ونسمعه اليوم من غناء في شوارعنايمكن أن يكون أنتج في مصر أو في الهند أو في الصين، ولا تستطيع أن تنكر أنك تتأثروتنفعل بفيلم عن “أوديسيوس” مثلاً على الرغم من أنه جزء من أسطورة يونانية قديمةلا تمثل شيئا للعرب وللثقافة العربية، لكن هناك المشترك الإنساني العام الذي يجمعبين البشر مثل مشاعر الحب والإحساس بالظلم ومشاعر حب العمل والرغبة فيالعيش، لذا نحن نحب مسرحية “روميو وجولييت” ونتعاطف مع أبطالها لأنهم يشبهونناعلى نحو ما، ولا نجد فيها استنساخاً لأن الحب ـ والحمد لله ـ موجود في كل مكانوزمان.
لماذا تبدو قصيدة النثر في كثير من الأحيان صعبة على القارئ العادي؟ هل الغموض ضرورة فنية أم حيلة لإخفاء الهشاشة؟
ـ الغموض ليس ضرورة فنية، الغموض وسيلة من بين وسائل الشعر الجديد، وهو يشبهحياتنا ويعبر عنها في الوقت نفسه، في ظل أن كثيراً من الوضوح يخفي كثيراً منحقيقتنا، وعلى الشعر أن يكون غامضاً إذا كانت الحياة واضحة ومباشرة، وإذا كانتأفلام السينما واضحة ومباشرة، وأغنيات الحب واضحة ومباشرة والمسلسلات واضحةومباشرة، ولا تقل لي إن غموض قصيدة النثر هو ابن غموض الشعر الأجنبي، لأن العالمتعلم الغموض والألغاز القصصية من الأدب العربي وليس العكس، ودليلي هو حجمالتأثير الهائل الذي مارسته حكايات “ألف ليلة وليلة” على الأدب الإنساني كله، بكل مافيها من قصص غير واقعية وأخرى غير معقولة وغير منطقية، وظني أنهبالعكس، إذاكان 90% من حياتنا ينتمي إلى العبث في العالم الثالثفإن على الغموض أن يحتلمكانته ليصبح جزءاً مكملاً للثقافة العربية.
في النثر لماذا يحتاج القارئ لقراءة القصيدة عدة مرات؟ أليس مطلوباً من الشعر أن يكون بسيطاً؟
ـ لا، جزء كبير من تلقينا السهل والسريع للشعر التقليدي ولشعر التفعيلة وللشعرالعمودي نابع من أننا درسنا هذا الشعر في مدارسناوله في الوجدان مساحات منالاعتياد، لكن من هو الذي درس قصيدة النثر في المدرسة و في الجامعة؟ لم يحدث! أنا كنت طالباً في قسم اللغة العربية في كلية الآداب أكتب قصيدة النثر بينما أدرسالشعر الجاهلي والعباسي والأموي، لذا كنت حين أقرأ قصيدتي في مسرح الجامعة كنتأشعر أنني أحقق مساحة مهمة من الفهم لأنني ألقي شعري عليهم من القاعة ذاتها التييتعلمون فيها عروض الشعر التقليدي.
هل تعتقد أن بعض شعراء قصيدة النثر يكتبون لأنفسهم أم للنخبة فقط بعيداً عن الجمهور؟
ـ عبر التاريخ لا يكتب الشعراء لإرضاء الذائقة العامة بل للتعبير عن شجونهم بالطريقةالتي يرونه، مهما كانت منفرة للذوق العام، والدليل أن أعظم شعراء العربية “أبوالطيبالمتنبي” ربما يكون قد قُتل بسبب قصيدة هجاء بذيئة جداً بمعايير زمنها، يقولمطلعها “ما أنصفَ القومُ ضبَّه وأمَّه الطُرطُبة”، أما لو كنت تقصد نخبة شعراء قصيدةالنثر فهم يكتبون شعراً للتعبير عما يجيش في أذهانهم وفي خيالاتهم، ودور القارئيقف عند حدود تلقي النص وتفسيره ومن ثم إعادة إنتاجه، لكن الشاعر الحقيقي يبقىهو الذي يوسع تجربته ليرى الناسُ أنفسَهم في شعره.











