×
بوابة البرلمان

    رئيس التحرير أحمد الحضرى

    الجمعة 30 أكتوبر 2026 10:13 مـ
    مقالات

    احمد الحضري يكتب : واقع الصحفيين ومستقبلهم.. فيها حاجة غلط!

    بوابة البرلمان

    يعاني الصحفيون معاناة شديدة في السنوات الأخيرة، إذ تلاشت تماماً الطبقة المتوسطة من المجتمع، ومن الصحفيين أيضاً. فأما أن تجد صحفياً شديد الثراء، وأما أن تجد صحفياً شديد الفقر والبؤس، ولا يوجد وسط.

    الذين يجيدون التواجد على كل الموائد، وهم بالقطع من أنصاف المواهب، إلا من رحم ربي وهم قلة، يصعدون إلى السموات المفتوحة، ويتولون المناصب ورئاسة المؤسسات والمواقع، وتغدق عليهم الأموال من كل صوب وحدب.

    أما الباقون، وهم الكثرة، فيعانون مر المعاناة من أجل تدبير مصروفات المعيشة وثمن الدروس الخصوصية لأبنائهم، وغالباً ما تنتهي حياتهم العائلية بالانفصال أو الطلاق.

    وفي ظل هذا الوضع الذي لا يعرف أحد تفسيراً واضحاً أو منطقياً له، ظهرت العديد من التجارب لصحفيين يعملون في مهن ووظائف لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالصحافة، مثل مندوبي المبيعات أو أفراد الأمن أو سماسرة في سوق العقارات، وهم كثر.

    ذات مرة كنت أستقل سيارة «أوبر» للذهاب إلى أحد المشاوير، فإذا بالكابتن دكتور معروف وصحفي أيضاً. وعندما فوجئ بوجودي بجواره، راح يشرح ويفسر ويبرر لماذا يعمل على أوبر، قائلاً: «أنا بس بحاول أجيب بنزين العربية والسجائر وأي حاجة تساعد في مصاريف الحياة والدروس وغيرها».

    وأخذ يخبرني عن نماذج من الصحفيين الزملاء الذين يعملون في أعمال ليس لها علاقة بالصحافة أو الإعلام من أجل «لقمة العيش».

    قلت له: هذا عمل شريف، ولا يوجد أي داعٍ لكلماتك أو محاولتك التبرير.

    صحفي آخر كان يعمل على أوبر بعدما فقد بيته وحياته الأسرية، وطلق زوجته الصحفية، وبدأت المشاكل والمحاكم، وأصبح مديوناً، ولم يكن أمامه طريق سوى العمل على أوبر حتى يستطيع أن يعيش، وانتهت حكايته بأن مات مديوناً.

    أما شركات الأمن، فقد استقبلت عدداً من الصحفيين للعمل بها أفراد أمن في مناطق مختلفة، مثل التجمع والسادس من أكتوبر.

    وعلى الرغم من وجود وزير للإعلام هو صحفي في الأصل، فإنه لم يخبرنا حتى الآن ماذا سيفعل للدفاع عن المهنة وأصحابها الذين باتوا في خطر شديد، وعلى الأرجح لن يخبرنا، فهذا الأمر لا يمثل أي جزء من اهتماماته!

    الغريب أن مجلسي النواب والشيوخ بهما العديد من الأعضاء الصحفيين، الذين يبدو أنهم من بنها، ولم يتعب أحدهم نفسه بإثارة الأمر أو بإيصال صوت الصحفيين، أو تبني أي مشروع قانون، أو حتى مجرد المطالبة بتحسين أحوالهم وأجورهم. ويبدو أن المكافآت والبدلات والحصانة والبرستيج جعلتهم ينسون، أو ينشغلون عن هذا الواقع المرير الذي تعيشه الجماعة الصحفية.

    وكأن الجميع قد اتفق على الصحفيين: إفقار متعمد، ومحاصرة لكل من يفهم أو يمتلك وجهة نظر أو رأياً حراً.

    وفي ظل هذا الوضع المزري للصحافة والصحفيين، ظهرت بعض النماذج الصحفية الدخيلة على المجتمع الصحفي، والتي تجيد اللعب على كل الحبال، ومسح الأحذية، ومنافقة السلطة أو من يمثلها. وقد سُمح لها بالتمدد والانتشار، رغم أنها لا تعلم شيئاً عن الصحافة، أو أن علاقتها بها تماماً مثل علاقتي أنا باللغة الصينية!

    والأخطر من كل ذلك أن استمرار هذا الوضع لا يهدد الأوضاع المعيشية للصحفيين وحدهم، وإنما يهدد مستقبل الصحافة ذاتها. فحين يصبح الصحفي مشغولاً بتدبير نفقات يومه، وتأمين احتياجات أسرته، وسداد ديونه، كيف نطالبه بالتفرغ للبحث والتدقيق وكشف الحقائق وممارسة دوره الرقابي؟

    وحين تصبح المناصب والمكافآت والترقيات مرتبطة بالقدرة على إرضاء أصحاب النفوذ، لا بالكفاءة والموهبة والمهنية، فإننا لا نكون أمام أزمة أجور فحسب، بل أمام أزمة معايير وقيم ومؤسسات.

    الصحافة ليست مجرد وظيفة للحصول على راتب، وليست وجاهة اجتماعية أو سلماً للصعود إلى المناصب، وإنما رسالة ومسؤولية وسلطة شعبية لا يمكن أن تؤدي دورها إلا بصحفي يمتلك الحد الأدنى من الاستقلال الاقتصادي والمهني.

    ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يواجه الجميع هو: من يحمي الصحفيين؟ ومن يعيد الاعتبار إلى المهنة؟ وهل ننتظر حتى يصبح العمل بالصحافة مجرد هواية لا يستطيع أصحابها العيش منها؟

    بالتأكيد.. هناك حاجة غلط، والغلط هذه المرة أكبر من أن نتجاهله أو نتعايش معه

    ⇧

    مواقيت الصلاة

    الجمعة 10:13 مـ
    18 جمادى أول 1448 هـ 30 أكتوبر 2026 م
    مصر
    الفجر 04:39
    الشروق 06:07
    الظهر 11:39
    العصر 14:47
    المغرب 17:10
    العشاء 18:29