غلاب الحطاب يكتب: المجالس النيابية.. بين الواقع والمأمول
بمقتضى الدستور، يظل الشعب هو مصدر السلطات، وهو من يُفوّض الرئيس والحكومة لإدارة شؤون البلاد، وتبقى المجالس النيابية هي حلقة الوصل الأساسية بين المواطن والسلطة التنفيذية، فمن خلالها يُنقل الصوت، وتُعرض المطالب، وتُمارس الرقابة، وتُسنّ القوانين التي تمس جوهر حياة الناس.
وتُعد المجالس النيابية، في جوهرها، مرآة حقيقية للمجتمع، فإذا صلحت صلح حال الدولة، واستقامت العلاقة بين الحكومة والشعب، وإذا ضعفت أو غابت عنها الكفاءة والنزاهة، انعكس ذلك مباشرة على المواطن، فأُهملت مطالبه، أو وصلت مشوشة، أو عُرضت مبتورة عن حقيقتها، فيتحمل الشعب وحده كلفة هذا الخلل.
ومن هنا، تصبح مسؤولية الاختيار مسؤولية وطنية خالصة، لا تقل أهمية عن أي واجب دستوري آخر. فالنائب ليس مجرد ممثل شكلي، بل هو صاحب دور أصيل في صناعة القرار، ورقابة الأداء التنفيذي، وصياغة التشريعات التي تنظم حياة المواطنين.
وفي ظل “الجمهورية الجديدة” التي تقوم على فكر مختلف ورؤية إصلاحية شاملة، تزداد الحاجة إلى نواب يمتلكون الوعي، والرؤية، والقدرة على قراءة الواقع دون تزييف أو تجميل، ويملكون الشجاعة لطرح المشكلات كما هي، لا كما يُراد لها أن تُرى، حتى تتمكن الدولة من وضع حلول حقيقية قابلة للتطبيق.
ولا يمكن أن ينجح هذا الدور إلا إذا كان النائب منغمسًا في واقع الناس، قريبًا من الشارع، مشتبكًا مع تفاصيل حياة المواطنين، مدركًا لطبيعة معاناتهم قبل مطالبهم، فالنائب الذي لم يعايش هموم الناس، لن يستطيع أن يعبر عنها بصدق داخل قاعات البرلمان.
غير أن المشهد الانتخابي، في بعض دوائره، بات يشهد صراعات محمومة يغلب عليها السعي وراء المقعد لا من أجل الخدمة العامة، بل بدوافع شخصية، مع تصاعد دور المال السياسي، وتقديم وعود انتخابية براقة تفتقر إلى البرامج الواقعية. وهو أمر يهدد جوهر العمل النيابي، ويفرغه من مضمونه الحقيقي.
فالمقعد النيابي ليس بابًا للوجاهة الاجتماعية، ولا وسيلة للحصانة، ولا طريقًا لتحقيق النفوذ، بل هو أمانة ومسؤولية وموقع للمساءلة والعمل الجاد، وأي انحراف في فهم هذا الدور ينعكس سلبًا على الأداء البرلماني، وعلى صورة المؤسسة التشريعية بأكملها.
إن المجالس النيابية القوية تمثل صمام أمان للدولة، وضمانة حقيقية للتوازن بين السلطات، وحائط الدفاع الأول عن حقوق المواطن. أما المجالس الضعيفة، فهي عبء على الدولة قبل أن تكون عبئًا على الشعب.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الناخب، ونزاهة الاختيار، وقدرته على التمييز بين من يسعى إلى خدمة الوطن، ومن يسعى إلى خدمة ذاته. فصوت المواطن هو حجر الأساس في بناء برلمان يعبر بحق عن نبض الشارع، ويدعم مسيرة التنمية والبناء.
وبين واقع نراه بتحدياته، ومأمول نرجوه بطموحاته، تظل المجالس النيابية اختبارًا حقيقيًا لنضج التجربة السياسية، وصدق الإرادة الشعبية، وقدرتها على صناعة مستقبل يليق بالدولة والمواطن معًا











