×
بوابة البرلمان

    رئيس التحرير أحمد الحضرى

    الأحد 25 أكتوبر 2026 12:53 مـ
    مقالات

    أحمد الحضري يكتب : د. أمجد عمارة ومنتدى مصر 2026.. بين النقد وتمييع الحقائق .

    بوابة البرلمان

    قرأت تدوينة الأستاذ الدكتور أمجد عمارة، عميد كلية التجارة بجامعة المنوفية الأسبق، التي تناول فيها تجربته في حضور مائدة مستديرة بمنتدى مصر 2026، خُصصت لمناقشة زيادة موارد النقد الأجنبي وإدارة الدين العام. وقد وصف ما حدث بأنه إهانة للحضور، واعتبر أنهم استُخدموا مجرد «ديكور» أو «كومبارس» في جلسة هدفها إرضاء الحكومة، مستندًا إلى طريقة تنظيم القاعة، وعدم إتاحة الحديث للمدعوين، وما اعتبره اتفاقًا مسبقًا على المداخلات.

    بداية، من حق الدكتور أمجد أن ينتقد المنتدى، ويشكك في جدواه، بل ويعتبره مضيعة للوقت والمال، كما ذكر أنه تحمل من معاشه تكلفة الانتقال لحضوره. فهذا تقييم شخصي لا خلاف على حقه فيه، ولا أحد مطالب بالدفاع عن الحكومة أو الإعجاب بما قدمته. لكن المشكلة تبدأ عندما تُعرض وقائع خارج سياقها، ثم تُبنى عليها استنتاجات لا تدعمها هذه الوقائع. وهذا تحديدًا ما يستحق التوقف عنده في تدوينته، خصوصًا أن النقد الصادر عن شخصية أكاديمية يفترض أن يميز بين المعلومة والانطباع والاستنتاج.

    اشتكى الدكتور أمجد من أن المذيعة التي أدارت الجلسة وجهت الحديث إلى مجموعة محددة من الوزراء والمسؤولين، ثم أنهت اللقاء دون إتاحة فرصة حقيقية لبقية الحضور لطرح أسئلتهم. واعتبر ذلك تجاهلًا متعمدًا لهم. لكن ما أغفله أن الجلسة كانت مائدة مستديرة، وليست جلسة مفتوحة للحضور. والمائدة المستديرة صيغة نقاش معلومة يكون اسماء المشاركون فيها محددين مسبقًا، وهو ما كان واضحًا في الدعوة المرسلة، التي ميزت بين المشاركين في الحوار والمدعوين للحضور. وهي تختلف عن الجلسات العامة التي تتيح أسئلة الجمهور. لذا من غير المنطقي أن نذهب إلى مائدة مستديرة ثم نحتج لأنها لم تتحول إلى مؤتمر مفتوح.

    وانطلاقًا من ذلك، وصف الدكتور أمجد المدعوين الذين لم يتحدثوا بأنهم مجرد «كومبارس»، واعتبر أن وجودهم كان لاستكمال الشكل العام للجلسة. لكن الحضور ضم وزراء سابقين، ورؤساء أحزاب، ورجال أعمال، ومسؤولين، وعمداء كليات، وأساتذة جامعات، وشخصيات عامة مرموقة. فهل يعني عدم حصول هؤلاء على الميكروفون أنهم تعرضوا للإهانة؟ وهل تصبح قيمة المدعو مرتبطة بحصوله على فرصة للحديث؟ الحضور والاستماع جزء طبيعي من المشاركة في المؤتمرات، والفرق بين المتحدث والحاضر فرق تنظيمي، وليس ترتيبًا للمكانات. والمفارقة أن وصف هؤلاء بالكومبارس، بدعوى الدفاع عن مكانتهم، ينتقص من قيمة حضورهم أكثر مما يفعل ترتيب الجلسة نفسه.

    وتوقف الدكتور أمجد طويلًا عند شكل القاعة، فوصف المقاعد الداخلية بأنها فخمة ومريحة ومخصصة للصفوة، مقابل مقاعد خارجية ضيقة وغير مريحة لبقية المدعوين. بل ذهب إلى الاعتقاد بأن الإضاءة وُضعت عمدًا لمنع الحضور من رؤية بعضهم البعض. والحقيقة أن ترتيب القاعة كان متسقًا مع طبيعة اللقاء؛ مائدة مستديرة للمشاركين في النقاش، تحيط بها ثلاثة صفوف من المقاعد للحضور، وهو ترتيب معتاد في مثل هذه الفعاليات. أما تحويل اختلاف المقاعد والإضاءة إلى دليل على وجود نية لإهانة المدعوين، فهو استنتاج لا يثبته وصف القاعة، مهما بلغت دقته.

    كذلك، انتقد تأخر بدء الجلسة لأكثر من ساعة ونصف، معتبرًا أن الحضور تُركوا في انتظار دون توضيح. لكن هذه الواقعة لا يصح فصلها عن طبيعة المنتدى وجدوله المزدحم، حيث يشارك الوزراء والمسؤولون في جلسات متتالية، وأي تأخير في إحداها ينعكس على ما يليها. وقد امتدت فعاليات اليوم الرابع حتى الثامنة مساءً. وبالتالي، فإن التأخير في هذا السياق ليس دليلًا بذاته على عدم احترام المدعوين، وإنما نتيجة يمكن فهمها في إطار تتابع الجلسات. ولا يصح تحويل كل تفصيلة تنظيمية إلى اتهام بالتعمد وسوء النية.

    أما الاتهام الأخطر، فهو تأكيد الدكتور أمجد أن المذيعة كانت توجه أسئلة معدة ومتفقًا عليها مسبقًا، وأن الوزراء والمسؤولين كانوا يعرفون مضمونها قبل الجلسة. وهنا يجري الخلط بين إعداد محاور النقاش، وهو أمر طبيعي في أي مؤتمر، وبين الاتفاق على مضمون المداخلات والردود، وهو اتهام يمس مصداقية المشاركين. وقد تضمنت الجلسة مداخلات نقدية مباشرة تناولت السياسات الاقتصادية وإدارة الدين العام، وطرحت قضايا خلافية أمام المسؤولين، ولم تكن مجرد عبارات مجاملة أو تأييد. فبأي دليل يمكن الجزم بأن جميع المداخلات كانت مرتبة سلفًا؟ من حق الدكتور أمجد أن يشك، لكن لا يصح تقديم الشك باعتباره حقيقة مؤكدة، أو تعميم اتهام بهذه الخطورة اعتمادًا على الانطباع الشخصي.

    ولم يكتفِ الدكتور أمجد بانتقاد التنظيم، بل اعتبر أن ما طرحه الوزراء والمسؤولون لم يتجاوز أفكارًا تقليدية معروفة، ولم يقدم حلولًا مبتكرة للأزمة الاقتصادية. وهذا نقد مشروع في أصله، لكن اللافت أنه لم يقدم تحليلًا اقتصاديًا يوضح أوجه القصور فيما طُرح، أو يناقش البدائل التي كان يتوقع سماعها. فالجلسة تناولت زيادة موارد النقد الأجنبي وإدارة الدين العام، وكان من الممكن مناقشة واقعية المستهدفات الحكومية، وتكلفة الدين، والاختلالات الاقتصادية القائمة. وإذا كان جوهر الاعتراض هو ضعف الطرح الاقتصادي، فلماذا احتلت تفاصيل المقاعد والإضاءة مساحة أكبر من مناقشة السياسات نفسها؟

    ولا يعني هذا أن المنتدى فوق النقد، أو أن الحكومة قدمت إجابات كافية عن التحديات الاقتصادية. بل إن هناك ما يستحق نقاشًا أكثر عمقًا وحدّة في السياسات الاقتصادية والنتائج الفعلية. لكن النقد الجاد يحتاج إلى وقائع دقيقة، لا إلى تحميل التفاصيل التنظيمية معاني لا تثبتها.

    وفي النهاية، أحترم حق الدكتور أمجد في التعبير عن غضبه وخيبة توقعاته، لكن ذلك لا يمنحه حق الحديث باسم جميع المدعوين، أو نسبة نوايا إلى المنظمين والمشاركين دون دليل. فليس كل نقد قاسٍ نقدًا دقيقًا، ولا كل سرد مؤثر سردًا منصفًا.

    ويبقى السؤال الأهم ليس من جلس على أي مقعد، وإنما ماذا قيل على تلك المقاعد، وما الذي يمكن أن يتغير بسببه في واقع الاقتصاد المصري.

    أمجد عمارة منتدي مصر الاقتصاد الحكومة عميد كلية التجارة موارد النقد كومبارس
    ⇧

    مواقيت الصلاة

    الأحد 12:53 مـ
    13 جمادى أول 1448 هـ 25 أكتوبر 2026 م
    مصر
    الفجر 04:36
    الشروق 06:03
    الظهر 11:39
    العصر 14:50
    المغرب 17:15
    العشاء 18:33