النائبة/ نيفين فارس تكتب .. حين تتحول الكاميرا إلى سكين
في زمن صارت فيه الشهرة عملة، وصار “الريتش” مقياسا للأخلاق، نكتشف كل يوم أن الإنسان يمكن أن يختزل إلى لقطة، وأن الكرامة يمكن أن تباع بثمن مشاهدة. ما جرى في بنها، وتحديدا في ميت عاصم، ليس “حادثة” تروى، بل مرآة تديننا جميعا: شاب يهان علنا، ويجبر على ارتداء ما يحوله إلى مادة للسخرية، ثم تستكمل المأساة بسباق محموم على النشر والاستضافة والعناوين الصاخبة… كأن الإذلال نفسه محتوى.
هنيئا لكم… هكذا يقول ضمير ساخر في داخلنا، لا لأن ما يحدث يستحق التهنئة، بل لأننا أتقنا تحويل الوجع إلى فرجة. هنيئا لمن أقنع نفسه أن الفضيحة خدمة عامة، وأن انتهاك الخصوصية رسالة تنوير.
لكن، أي تنوير هذا الذي يبدأ بإطفاء إنسان؟
وأي صحافة تلك التي تختصر العدالة في “ترند”، وتختصر الحقيقة في “لقطة”؟
كان يمكن—وبكل بساطة—أن نكتب عما حدث. أن نسرد الوقائع. أن نرفع الصوت بالهاشتاجات، وأن نخاطب الجهات المعنية، وأن نطالب بالمحاسبة. كان يمكن أن نذكر الهيئة الوطنية للإعلام بدورها التنظيمي، من دون أن نعلق كرامة إنسان على حبل المشاهدة. كان يمكن أن نفعل كل ذلك من غير صورة تعيد الإهانة، ولا فيديو يخلد الكسرة.
حرية الرأي والتعبير—التي ندافع عنها ونطالب بتعزيزها—ليست رخصة لإعادة إنتاج العنف. الحرية لا تقاس بعدد المشاركات، بل بقدرتها على حماية الأضعف. الإعلام ليس مرآة محايدة إذا قرر أن يعكس القبح ويكبره؛ الحرية مسؤولية، وإذا فقدنا بوصلتنا الأخلاقية صارنا جزءا من الجريمة، لا شهودا عليها فقط
الخطر الأكبر ليس في لقطة واحدة، بل في الأثر المتراكم: حين يتعلم المراهقون أن “الترند” طريق لإثبات الذات، وحين يفهم بعضهم أن الإذلال يمكن أن يصوّر ويباع ويتداول. هنا لا ندمر فردا فقط؛ نحن ندرس درسا مشوّها للأجيال: أن القيمة تستخرج من كسر الآخرين.
أوقفوا المهزلة.
أعيدوا الكاميرا إلى مكانها الطبيعي: أداة لكشف الظلم، لا لتكريسه.
وأعيدوا للخبر شرفه الأول: أن يحمي الكرامة، قبل أن يطلب التصفيق.











