المستشار نزيه الحكيم يكتب.. بين نهائية الحكم ومناورة الإجراء .. هل ينجو التماس ” الوطنية للانتخابات ” من جدار ”النقض ” الصلب ؟
بين نهائية الحكم ومناورة الإجراء: هل ينجو التماس الهيئة الوطنيه للانتخابات من جدار النقض الصلب؟
يثير تقديم الهيئة الوطنية للانتخابات التماس إعادة نظر على الحكم الصادر في طعن دائرة منيا القمح تساؤلات قانونية جدية حول مدى جواز هذا الطريق الاستثنائي في الأحكام الصادرة عن محكمة النقض في شأن صحة عضوية أعضاء مجلس النواب.
فالأصل المستقر دستوريًا وقانونيًا أن الأحكام التي تصدرها محكمة النقض في هذا النطاق ليست أحكامًا صادرة بوصفها محكمة طعن تقليدية، وإنما بوصفها القاضي المختص دستوريًا بالفصل في صحة التمثيل النيابي ذاته. ومن ثم فإن هذه الأحكام تحوز حجية خاصة وتستهدف استقرار المراكز النيابية، بما يجعل إخضاعها لطرق الطعن التقليدية – عادية كانت أو غير عادية – أمرًا يتعارض مع طبيعتها ووظيفتها الدستورية.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن نص المادة ٢٧٢ من قانون المرافعات يحظر الطعن في أحكامها بأي طريق من طرق الطعن، ولم يرد على هذا الحظر سوى استثناء ضيق يتعلق بحالات عدم الصلاحية القضائية، وهو استثناء لا يمت بصلة إلى النزاع الانتخابي محل الحكم.
والثابت من الحكم الصادر في طعن دائرة منيا القمح أنه لم يقم على مستند خفي أو واقعة لاحقة من شأنها تغيير وجه الرأي في الدعوى، وإنما تأسس على قرينة قانونية نشأت من نكول الجهة القائمة على العملية الانتخابية عن تنفيذ قرار المحكمة بتقديم المستندات اللازمة للفصل في الطعن. وهذه القرينة، متى استقرت في وجدان المحكمة وأُقيم عليها قضاؤها، فإنها تدخل في نطاق تقديرها الموضوعي للأدلة، وهو تقدير لا يجوز إعادة مناقشته بطريق الالتماس، لأن الالتماس ليس وسيلة لمراجعة قناعة المحكمة أو إعادة وزن الأدلة، بل طريق استثنائي محصور في حالات محددة نص عليها القانون على سبيل الحصر.
كما أن المستندات التي لم تُقدم في حينها لا يجوز أن تتحول بعد صدور الحكم إلى سبب لإهدار حجيته، وإلا أصبح تنفيذ الأحكام القضائية مرهونًا بإرادة الخصوم، وهو ما يتعارض مع مبدأ حجية الأحكام واستقرار المراكز القانونية.
إن استقرار الأحكام الانتخابية يمثل ضمانة دستورية لحماية الإرادة الشعبية وصون الشرعية النيابية، وأي توسع في قبول طرق الطعن الاستثنائية عليها من شأنه أن يفتح باب المنازعات بلا نهاية، ويجعل صحة التمثيل البرلماني عرضة للتعطيل الإجرائي.
وعليه، فإن التماس الهيئة الوطنية للانتخابات في حكم منيا القمح يظل – في تقدير قانوني راجح – إجراءً مرجح عدم القبول، ليس فقط لافتقاده إحدى حالات الالتماس الحصرية، بل أيضًا لمخالفته الطبيعة النهائية للأحكام الصادرة من محكمة النقض في شأن صحة العضوية النيابية.











