وثيقة لإبراء الذمة.. «العدل» يسجل رؤيته لقانون «مستقبل مصر» في مضبطة البرلمان
في خطوة غير معتادة تهدف إلى توثيق النقاش التشريعي حول أحد أبرز المشروعات الاقتصادية المطروحة حاليًا، أودعت الهيئة البرلمانية لحزب العدل ورقة عمل تفصيلية في مضبطة مجلس النواب بالتزامن مع مناقشة مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، مؤكدة أن الهدف منها هو تسجيل الرؤى والتحذيرات والتوصيات التي ينبغي أن تظل جزءًا من السجل التشريعي المصاحب للقانون عند تقييم نتائجه مستقبلًا.
وأكدت الهيئة البرلمانية أن الورقة لا تمثل اعتراضًا على مشروع القانون أو على فكرة إنشاء الجهاز، خاصة بعد موافقة الحزب على القانون بصيغته النهائية، لكنها تستهدف استشراف التحديات المؤسسية والاقتصادية التي قد تظهر مع التطبيق العملي خلال السنوات المقبلة، انطلاقًا من أن آثار القوانين ذات الطابع المؤسسي لا تظهر عادة عند صدورها، وإنما تتكشف تدريجيًا مع اتساع نطاق التنفيذ وتراكم الخبرات العملية.
ورأت المذكرة أن النقاش حول “مستقبل مصر” يتجاوز حدود المواد القانونية إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بشكل الدولة الاقتصادي وطبيعة دورها في النشاط الاقتصادي، موضحة أن القضية الحقيقية ليست ما إذا كان ينبغي للدولة أن تتدخل في الاقتصاد أم لا، وإنما كيف يتم تصميم هذا التدخل وحدوده وآليات مساءلته.
وأشارت إلى أن جهاز “مستقبل مصر” يمثل نموذجًا غير تقليدي يجمع بين تنفيذ المشروعات الكبرى، وإدارة سلاسل الإمداد، والتعاقدات، والشراكات مع القطاع الخاص، مع حضور سيادي قوي في قطاعات استراتيجية مثل الأمن الغذائي والسلع الأساسية، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يؤديه الجهاز وحدود العلاقة بينه وبين القطاع الخاص.
واعتبرت الهيئة البرلمانية أن أبرز التحديات التي تواجه النموذج المقترح تتمثل في جمع ثلاث وظائف رئيسية داخل كيان واحد، تشمل الدور الاستراتيجي المرتبط بتحقيق أهداف الدولة في الأمن الغذائي والتنمية، ودور المستثمر الباحث عن الربحية والعائد الاقتصادي، إلى جانب دور المنصة التشغيلية التي تنظم الشراكات وتقدم الخدمات للقطاع الخاص.
وبحسب المذكرة، فإن الجمع بين هذه الوظائف قد يخلق توترات مؤسسية يصعب إدارتها بمرور الوقت، خاصة أن المنصة التشغيلية تتطلب الحياد والشفافية وتكافؤ الفرص، بينما يقتضي دور المستثمر الحفاظ على مزايا تنافسية وقدرات تفاوضية خاصة، في حين يستند الدور الاستراتيجي إلى اعتبارات المصلحة العامة والأمن القومي.
وحذرت من أن غياب الفصل الواضح بين هذه الأدوار قد يؤدي إلى تضارب في المصالح ويصعب عملية الرقابة والمحاسبة وقياس الأداء.
وتوقفت المذكرة أمام قضية “حياد المنافسة”، معتبرة أنها تمثل أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، وأشارت إلى أن المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، سبق أن رصدت اتساع نطاق الكيانات العامة وتعدد الأطر القانونية المنظمة لها، بما يخلق تفاوتًا في شروط المنافسة بين القطاعين العام والخاص.
واستشهدت الورقة ببيانات تشير إلى وجود مئات الشركات المملوكة للدولة وعشرات الهيئات الاقتصادية، معتبرة أن نجاح جهاز مستقبل مصر يتطلب ضمان عدم تحوله إلى منافس يتمتع بمزايا تنظيمية أو تمويلية لا تتوافر للقطاع الخاص، حتى لا يؤدي ذلك إلى عزوف المستثمرين أو مزاحمة الاستثمارات الخاصة.
ولم تقتصر المذكرة على عرض المخاطر المحتملة، بل استعرضت عددًا من التجارب الدولية الناجحة في إدارة الأصول العامة والاستثمارات السيادية، من بينها سنغافورة والإمارات وكوريا الجنوبية والمغرب.
وأوضحت أن القاسم المشترك بين هذه التجارب يتمثل في الفصل الواضح بين دور الحكومة كصانع للسياسات ومنظم للسوق، وبين دور المؤسسات الاستثمارية التي تدير الأصول العامة وفق قواعد احترافية ومؤشرات أداء معلنة وآليات رقابة مستقلة.
ورأت أن هذه النماذج تؤكد أن نجاح الكيانات الاستثمارية المملوكة للدولة لا يرتبط بحجم الصلاحيات الممنوحة لها، بقدر ارتباطه بوضوح الأدوار والشفافية والإفصاح الدوري عن الأداء والنتائج.
واختتمت الهيئة البرلمانية لحزب العدل ورقتها بحزمة من التوصيات العملية، على رأسها الفصل الوظيفي بين وحدات الاستراتيجية والاستثمار والتشغيل داخل الجهاز، ووضع قواعد معلنة وشفافة لتسعير الخدمات التي يقدمها للقطاع الخاص، وتبني معايير الحوكمة المعمول بها في الصناديق السيادية الدولية.
كما دعت إلى إنشاء منظومة واضحة لقياس الأداء والإفصاح الدوري عن النتائج، وربط نجاح الجهاز بمؤشرات قابلة للقياس مثل زيادة الاستثمارات الخاصة، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص، وتعظيم العائد على الأصول العامة.
وأكدت الهيئة البرلمانية أن الهدف من هذه التوصيات ليس تقييد دور الجهاز، وإنما ضمان نجاحه على المدى الطويل وتحويله إلى نموذج مؤسسي قادر على تحقيق أهداف التنمية دون الإخلال بقواعد المنافسة أو مبادئ الحوكمة الرشيدة، مشددة على أن إيداع هذه الرؤى في مضبطة البرلمان يأتي إسهامًا في بناء سجل واضح للنقاش التشريعي وإبراءً للمسؤولية أمام الأجيال التي ستتولى تقييم نتائج القانون وتجربته العملية في المستقبل.











