×
بوابة البرلمان

    رئيس التحرير أحمد الحضرى

    الخميس 13 أغسطس 2026 07:44 مـ
    مقالات

    د . محمد فؤاد يكتب عن العليل والتحاليل.. والعقد الاجتماعي الضائع

    بوابة البرلمان

    توقفت طويلًا أمام تعليق الدكتور محمد معيط، وزير المالية الأسبق، على حالة التنافر بين ما يعيشه المواطن وما تتحدث عنه أرقام التحسن الاقتصادي، حين شبّه الموقف بمريض كان في وضع صحي شديد الصعوبة، وبدأ برنامجًا علاجيًا، وأصبحت التحاليل تشير إلى تحسن حالته، بينما لا يزال المريض نفسه لا يشعر بهذا التحسن.

    وهذا التوقف ليس لأن التشبيه يفتقر إلى المنطق الاقتصادي، وإنما لأنه يفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية: ماذا يحدث عندما تقول المؤشرات إن المريض يتحسن، بينما يقول المريض نفسه إنه لا يزال يتألم؟، وربما لهذا السبب تحديدًا، ذكّرني أحد الأصدقاء من الاقتصاديين النابغين بالعبارة الشهيرة التي قالها الراحل محمود عبد العزيز في فيلم «جري الوحوش»: «صدق العليل ولا تصدق التحاليل».

    ثم جاء تعليق الإعلامي عمرو أديب من زاوية أخرى، إذ قال إن الدولة تستطيع أن تشير إلى ما أنجزته من كباري وطرق، ومستشفيات وجامعات، وما قدمته للصعيد والقرى، وما طورته في قطاعات الكهرباء والطاقة، فضلًا عن الحفاظ على الأمن، وتقديم الدعم، وجذب الاستثمارات، لكن المواطن قد يجيب ببساطة: الحياة صعبة، والدخل لا يكفي.

    وهنا تحديدًا تكمن المشكلة؛ فالمسألة ليست بالضرورة أن الحكومة تكذب في أرقامها، ولا أن المواطن ينكر ما تم إنجازه، بل إن كليهما ينظر إلى الاقتصاد من نافذة مختلفة.. الحكومة تنظر إلى لوحة المؤشرات، بينما المواطن ينظر إلى محفظته، وإلى مستوى الخدمات التي يحصل عليها، وإلى قدرته على تلبية احتياجات أسرته.

    لماذا نشكك في التحاليل؟

    الحكومة ترى التحاليل التي تتحدث عن التعافي، أما المواطن فهو يشعر بالألم، بما يجعله غير قادر على الإحساس بنتائج هذا التعافي، والمشكلة هنا أن المسافة بين المؤشرين اتسعت إلى درجة لم تعد معها مجرد فجوة في الإدراك الاقتصادي، وإنما تحولت إلى قضية اقتصادية وسياسية تتعلق بالعقد الاجتماعي نفسه.

    وفي الواقع، فعندما يتحسن الدين ولا يتحسن الحيز المالي، فهناك سببان رئيسيان لهذا الانفصال، يتعلق الأول بطبيعة النمو وتوزيع ثماره، وقدرة الاقتصاد على تحويل النمو الكلي إلى دخول حقيقية وفرص عمل وتحسن ملموس في مستوى المعيشة، أما الثاني، وربما الأكثر إغفالًا، فهو الحيز المالي للدولة. يمكن للحكومة مثلًا أن تقول، وهي محقة حسابيًا، إن نسبة الدين إلى الناتج المحلي انخفضت من مستويات قاربت 100% إلى نحو 80% أو أقل، وبالفعل، أشار صندوق النقد إلى تراجع الدين من نحو 96% إلى 86% من الناتج خلال عام، مع استمرار تحقيق فائض أولي.

    هذه «تحاليل» جيدة، لكن ماذا لو انخفض الدين كنسبة من الناتج، بينما ظلت الفوائد تلتهم معظم إيرادات الدولة؟، فهنا يظهر الفارق بين حجم الدين وعبء الدين، وبين نسبة الدين للناتج والحيز المالي المتاح بالفعل للإنفاق على المواطن، وهو ما يتفق مع ما أشار إليه صندوق النقد بأن مدفوعات الفوائد في مصر تستوعب نحو ثلاثة أرباع الإيرادات، وهو ما يحد بشدة من الحيز المالي المتاح.

    وهذا هو قلب القضية، فقد تستطيع الدولة تحسين نسبة الدين إلى الناتج بفعل نمو الناتج الاسمي، والتضخم، وتحقيق فوائض أولية، وإدارة آجال الدين، لكن إذا بقيت تكلفة خدمة الدين مرتفعة، فإن الأموال المتاحة فعليًا للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والصيانة والاستثمار العام المنتج وتحسين الخدمات تظل محدودة.

    بمعنى أبسط: قد تتحسن ميزانية الدولة على الورق، دون أن تتحسن قدرتها على الإنفاق على حياة الناس بالقدر نفسه، وهذا يفسر جزءًا مهمًا من المفارقة المصرية، لأنه في فترات سابقة، كان الجزء الأكبر من استخدامات الموازنة متاحًا بصورة أو بأخرى للإنفاق العام والوظائف الأساسية للدولة، بينما أصبحت الالتزامات الجامدة، وعلى رأسها خدمة الدين، تلتهم النصيب الأكبر.

    ويمكن تبسيط التحول باعتباره انتقالًا من وضع كان فيه نحو 70% من الاستخدامات أكثر قابلية للتوجيه نحو الإنفاق العام، إلى واقع لا يتبقى فيه إلا قرابة 30% بعد الالتزامات الرئيسية، ومن هنا، لا يكفي أن نسأل: هل انخفض الدين؟ بل يجب أن نسأل: كم جنيهًا من كل مائة جنيه تجمعها الدولة أصبح متاحًا فعلًا لكي تنفقه على المواطن؟

    خاصة وأن هذا المؤشر أقرب كثيرًا إلى حياة الناس من الاحتفاء المنفرد بنسبة الدين إلى الناتج أو أرقام النمو الاقتصادي، فالمواطن لا يعيش داخل الناتج المحلي ولا ينعكس النمو على جيبه بالضرورة.

    وهنا نصل إلى السبب الآخر للفجوة، فالمواطن لا يشتري الخبز بنسبة الدين إلى الناتج، ولا يدفع فاتورة الكهرباء بالفائض الأولي، ولا يقيس جودة المدرسة بمعدل نمو الناتج الحقيقي.. وفي حين أن هذه المؤشرات مهمة للغاية لإدارة الاقتصاد، إلا أنها وسائل وليست غايات. أما الغاية الحقيقية هي أن تؤدي سلامة الاقتصاد الكلي، بمرور الوقت، إلى ارتفاع حقيقي ومستدام في مستوى المعيشة وتحسن الخدمات وفرص العمل والدخل المتاح، ولهذا فإن الحكومة والمواطن قد يكونان صادقين في الوقت نفسه.

    مثلا تقول الحكومة: النمو ارتفع، والدين انخفض، والاحتياطي تحسن، والاستثمارات زادت، والبنية الأساسية توسعت، في حين يصرخ المواطن: دخلي الحقيقي تراجع، وأسعار الغذاء والطاقة والنقل ارتفعت، والتعليم والصحة يستنزفان جزءًا أكبر من دخلي، وقدرتي على الادخار ضعفت.

    وفي الحقيقة فلا يوجد تناقض حسابي هنا، بقدر ما هو تناقض سياسي واقتصادي في تعريف النجاح نفسه.

    العقد الاجتماعي

    هنا تصبح المسألة أكبر من برنامج صندوق النقد أو رقم الدين، خاصة وأن العقد الاجتماعي، في أبسط صوره الاقتصادية، يعني أن المواطن يعمل وينتج ويدفع الضرائب ويلتزم بالقانون، وفي المقابل توفر الدولة الأمن والخدمات الأساسية وتكافؤ الفرص والحماية عند التعرض للصدمات، وتدير موارده العامة بكفاءة.

    حتى صندوق النقد نفسه يربط بين الضرائب والإنفاق وبين العقد الاجتماعي، ويشير إلى أن الثقة تتآكل عندما يدفع المواطن الضرائب ولا يرى تحسنًا ملموسًا في البنية الأساسية أو الصحة أو التعليم.

    وهذه نقطة شديدة الأهمية في الحالة المصرية، فكلما ضاق الحيز المالي، أصبحت الدولة مطالبة بزيادة الإيرادات أو خفض الدعم أو رفع أسعار الخدمات، لكن المواطن، في الوقت نفسه، يرى أن ما يحصل عليه مقابل هذه الأعباء لا يتحسن بالسرعة نفسها.

    وهكذا تظهر حلقة خطيرة، فالدولة عندما تحتاج موارد أكبر، تطلب من المواطن مساهمة أكبر؛ والمواطن يشعر بأن المقابل الذي يحصل عليه أقل، فتتراجع ثقته؛ ومع تراجع الثقة تصبح أي جولة إصلاح جديدة أصعب اجتماعيًا وسياسيًا.

    وهذه ليست مشكلة مصرية خالصة، إذ تؤكد التجارب الدولية أن نجاح الإصلاح المالي لا يتوقف فقط على جودة الأرقام، وإنما على عدالة توزيع تكلفته، ووضوح المقابل الذي يحصل عليه المواطن، والثقة في كيفية إدارة المال العام، بل إن الأدبيات الحديثة أصبحت تتحدث صراحة عن أن الثقة هي ما يسمح للمجتمعات بتحمل المفاضلات الاقتصادية الصعبة.

    إذن ما العمل؟

    البداية في رأيي لحل هذا المشهد هي تغيير طريقة قياس النجاح، حيث نحتاج بجانب مؤشرات الدين والعجز والفائض الأولي والنمو إلى لوحة مؤشرات أخرى تسأل: كم يبلغ الحيز المالي الحقيقي؟ وكم يتبقى من الإيرادات بعد الفوائد والالتزامات الجامدة؟ وكم ينفق فعليًا على الصحة والتعليم للفرد بالقيمة الحقيقية؟ وكيف تحرك الدخل الحقيقي المتاح للأسر؟ وما نسبة الإنفاق الإجباري للأسرة على الغذاء والطاقة والسكن، والنقل والتعليم والصحة؟

    فكيف للمواطن أن يثق في حكومة تحجب عنه أرقام الفقر بينما يتجرعه نسبة متزايدة من الناس التي تعاني من السقوط الطبقي المستمر نتيجة ضغوط المعيشة.

    كما أنه لا بد أن يصبح خفض تكلفة الدين هدفًا موازيًا لخفض نسبة الدين، فالوصول بالدين من 100% إلى 80% من الناتج إنجاز محدود الأثر على المواطن إذا بقيت الفوائد تستهلك ثلاثة أرباع الإيرادات.

    كذلك يجب أن تتحول السياسة المالية من إدارة العجز عامًا بعام إلى إعادة بناء الحيز المالي على مدى متوسط، عبر توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين كفاءة الإنفاق، وإعادة ترتيب الأولويات، ورفع إنتاجية الاستثمار العام، وزيادة دور القطاع الخاص، والتخلص من الأصول والأنشطة التي لا توجد ضرورة لبقاء الدولة فيها.

    والأهم مما سبق، هو ضرورة إعادة بناء الرابط بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه، لأن المواطن يستطيع أن يتحمل إصلاحًا صعبًا عندما يرى نهايته، ويفهم منطقه، ويشعر بعدالة توزيع أعبائه، ويرى أثرًا في المدرسة والمستشفى والمواصلات وفرصة العمل والدخل الحقيقي.

    المشكلة إذن ليست في الاختيار بين تصديق الحكومة أو تصديق المواطن، فقد تكون التحاليل أفضل فعلًا، وقد يكون العليل ما زال يتألم فعلًا، فنجاح العلاج لا يقاس فقط بأن تتحسن الأرقام في تقرير الطبيب، وإنما بأن يستعيد المريض قدرته على ممارسة حياته.

    وفي الاقتصاد، اسم هذه المسافة بين تحسن المؤشرات وتحسن الحياة هو الحيز المالي، وعدالة توزيع ثمار النمو، وكفاءة الدولة، أما في السياسة، فلها اسم أبسط وأعمق: العقد الاجتماعي.

    محمد فؤاد محمد معيط العقد الاجتماعي جري الرحوش الاقتصادي

    مواقيت الصلاة

    الخميس 07:44 مـ
    28 صفر 1448 هـ 13 أغسطس 2026 م
    مصر
    الفجر 03:46
    الشروق 05:21
    الظهر 11:60
    العصر 15:37
    المغرب 18:39
    العشاء 20:03