أحمد الحضري يكتب : حين تحسن المعارضة القراءة يجب أن تسمع !
في مداخلة مع عمرو أديب، طرح الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، تقديرًا سريعًا على الهواء بأن أثر إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء قد يدور في حدود ٢٪ من إجمالي الوقود المستخدم. لم يكن ذلك انطباعًا عابرًا، بل قراءة مبنية على فهم هيكل الاستهلاك، وطبيعة مزيج الطاقة، وحدود تأثير الإجراءات الجزئية مثل تخفيف الأحمال أو العمل عن بُعد. بعد أيام، أعلنت الحكومة رقمًا قريبًا عند 2.1٪. لم تكن المسألة “إصابة توقع”، بل انعكاسًا لقدرة على قراءة البيانات قبل صدورها، وتحويلها إلى تقدير واضح وقابل للاختبار.
هذه الواقعة، رغم بساطتها، تكشف خللًا أعمق في فهم دور المعارضة. فالمعارضة ليست وظيفة إعلامية، ولا مساحة للاعتراض فقط، بل هي قدرة على التحليل، وتقديم بدائل، واختبار الفرضيات قبل أن تتحول إلى قرارات. حين تمتلك المعارضة هذه الأدوات، فإنها لا تقف خارج الدولة، بل تصبح جزءًا من تحسين آلية اتخاذ القرار داخلها.
من هنا يمكن قراءة تجربة حزب العدل في الفترة الأخيرة. الحزب لا يتحرك بمنطق رد الفعل، بل وفق رؤية تراكمية في ملفات متعددة خاصة في ملف الطاقة. في وقت كان النقاش العام يركز على مظاهر الأزمة، كان الحزب يشتبك مع جذورها: اختلالات التسعير، فجوات الإنتاج، الاعتماد غير المتوازن على الغاز، وتداعيات ذلك على المالية العامة. هذه القراءة لم تكن توصيفًا فقط، بل تضمنت أطروحات واضحة لإعادة هيكلة التسعير، وتحسين كفاءة الاستخدام، وربط السياسات الطاقية بالقدرة التمويلية للدولة.
الأمر ذاته ينطبق على تعامل الحزب مع أوضاع المالية العامة. لم يكتفِ بالنقد العام لمستويات الدين أو العجز، بل قدم مقاربات أكثر عمقًا تتعلق باستدامة المالية العامة، وهيكل الإيرادات، وتكلفة خدمة الدين، وربطها بقدرة الاقتصاد الحقيقي على توليد موارد. وبمرور الوقت، بدأت تتشكل ملامح برنامج حزبي متكامل لا يقتصر على ردود الأفعال، بل يقدم تصورًا لإدارة الاقتصاد بشكل أكثر توازنًا، قائم على الإصلاح الهيكلي لا الحلول المؤقتة.
وفي هذا الإطار، يبرز دور النائب عبد المنعم إمام كرئيس للحزب في بناء هذا النموذج. فبعيدًا عن المركزية التقليدية، اتجه إلى تمكين كوادر الحزب وإتاحة المساحة لظهور قيادات ووجوه متخصصة، بما خلق حالة من التراكم المؤسسي، لا الاعتماد على فرد أو صوت واحد. هذا النهج لم يبقَ تنظيميًا فقط، بل انعكس مباشرة على الأداء داخل البرلمان، حيث أصبح التخصص هو القاعدة، والاشتباك مع التفاصيل هو العنوان.
وقد بدأ هذا الحضور يتجلى في ممارسات ملموسة. هناك نواب يتقدمون بملفاتهم بثقة، ويشتبكون مع التفاصيل لا العناوين. في المحليات، يظهر طرح النائبة سحر عثمان و النائب حسام الخشت متصلًا بالواقع التنفيذي وتعقيداته. في ملف المصريين بالخارج، تقدم هايدي المغازي مقاربة رقابية تتجاوز الخطاب العام إلى قضايا تنظيمية وخدمية واضحة. في العدالة الاجتماعية والصحة، تربط صافيناز طلعت بين السياسات وأثرها الفعلي على المواطنين. وفي الأحوال الشخصية، تخوض فاطمة نقاشًا جادًا في واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا. هذه النماذج تعكس عملًا منظمًا يراكم أثره، لا حضورًا عابرًا. كما أن هناك تدخلات قوية في ملفات الرياضة والصناعة والإسكان لا تتسع المساحة لعرضها، لكنها تؤكد اتساع نطاق الاشتباك وعمقه.
واللافت أن أداء العدل يبدو أقرب إلى أداء فريق متكامل، لا مجموعة أفراد متفرقين. هناك تنظيم واضح، وطرح موفق، وكل نائب يترك بصمته عبر مداخلات مؤثرة في مجاله. وفي أحاديث متكررة مع نواب من كتل مختلفة، تتكرر الإشادة بذات المعنى: رغم قلة العدد، فإن الفريق متماسك، منضبط، وقادر على الحضور بفاعلية تفوق وزنه العددي.
ويمتد هذا الأداء إلى مجلس الشيوخ، حيث قدم نواب الحزب بقيادة النائب إسماعيل الشرقاوي مداخلات قوية خلال مناقشات قانون المنافسة، اتسمت بدقة واضحة في تناول النصوص، والقدرة على تفكيكها وطرح بدائل تعزز حياد المنافسة وتماسك الإطار التشريعي. هذا التكامل بين الغرفتين يعكس أن ما نشهده ليس أداءً فرديًا، بل منظومة عمل متكاملة.
الأهم أن هذا الأداء لم يبقَ في إطار الطرح فقط، بل بدأ ينعكس على مستوى القرار التنفيذي. إعلان رئيس مجلس الوزراء استجابة الحكومة لمقترح الحزب بشأن معالجة التشوهات السعرية في تسعير الغاز الطبيعي الموجه للصناعة، وإحالة الملف إلى وزارة البترول والثروة المعدنية لبدء التنفيذ، يمثل لحظة فارقة. لأنه ينقل المعارضة من موقع “من يقدم أفكارًا” إلى موقع “من يساهم في تشكيل السياسات”.
كان من الممكن للحزب أن يختار الطريق الأسهل، أن يكتفي بالنقد، خاصة في ظل وجود مساحات واسعة للاعتراض. لكنه اختار طريقًا أكثر صعوبة: الاشتباك مع التفاصيل، وتقديم بدائل، وتحمل مسؤولية الطرح. هذا المسار لا يحقق مكاسب سريعة، لكنه يبني مصداقية تراكمية، وهي الأساس لأي دور سياسي جاد.
في النهاية، فإن واقعة ٢٪، ومعها مثال تسعير الغاز، ليست سوى إشارات على مسار يتشكل. مسار يرى أن السياسة يمكن أن تُدار بالعقل لا بالصوت، وبالتحليل لا بالانطباع، وبالعمل المؤسسي لا بالجهد الفردي. وإذا كانت هناك معارضة تقدم هذا النموذج—تقرأ، وتحلل، وتقترح، وتؤثر—فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج معارضة؟ بل أصبح: هل نُحسن الاستماع إليها











