أحمد أبو صالح يكتب: كم روحًا تكفى لمحاسبة المسؤولين؟!
هناك حوادث تنتهى بانتهاء الخبر، وهناك حوادث تظل جرحًا مفتوحًا فى قلوب الناس، وحادث طريق الدواويس بطريق الإسماعيلية واحد من تلك الفواجع التى أدمت القلوب، حين تحولت رحلة بحث عن لقمة العيش إلى مأساة، وسقط أطفال وشباب فى عمر الزهور، كان من حقهم أن يعيشوا طفولتهم ويحلموا بمستقبلهم، لا أن يحملوا همَّ لقمة العيش ويدفعوا ثمنها من أرواحهم.
أمام مشهد كهذا، لا تكفى كلمات العزاء، ولا بيانات الأسى، ولا لجان التحقيق وحدها، فهناك أرواح رحلت، وأسر فقدت أبناءها، وقلوب لن تعود كما كانت.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا وأشد وجعًا: من المسؤول؟ ومن يتحمل ثمن هذا التقصير؟ ومتى تكون المحاسبة حقيقية وليست مجرد رد فعل مؤقت حتى تهدأ مشاعر الغضب؟
نشاهد يوميًا أخطاء فادحة تمس حياة المواطن وتؤثر فى معيشته، ومع ذلك تمر كثير من هذه الأخطاء وكأن شيئًا لم يحدث، ونادرًا ما نرى مسؤولًا يتحمل المسؤولية كاملة عن خطأ وقع فى نطاق عمله، أو يخرج ليقول للمواطن بوضوح: أخطأنا وعلينا أن نحاسب.
وهنا لا بد أن نسأل: إذا لم يتحمل المسؤول مسؤولية الخطأ، فمن يتحملها؟ وإذا لم يُحاسب من أخطأ، فما الذى يمنع تكرار الخطأ مرة أخرى؟
فمن حوادث الطرق والقطارات، إلى أزمات وإهمال بعض المستشفيات، إلى تعليم يعانى من مشكلات متراكمة، تتعدد الأزمات وتتكرر الأخطاء، ويبقى المواطن هو من يدفع الثمن.
وحادث الدواويس لم يكن مجرد حادث طرق، فهؤلاء الأطفال كانوا ضحايا لقمة العيش قبل أن يصبحوا ضحايا للحادث، غلاء المعيشة دفعهم إلى الخروج للعمل فى سن مبكرة، بدلًا من أن يعيشوا طفولتهم، ويلعبوا مثل أقرانهم، ويجلسوا على مقاعد الدراسة، وجدوا أنفسهم يبحثون عن لقمة العيش.
وهنا يصبح السؤال أكثر وجعًا: هل يدفع أطفالنا ثمن الغلاء أيضًا بأرواحهم؟! والغلاء الفاحش لم يتوقف تأثيره عند هذا الحد، بل امتد إلى كل تفاصيل الحياة، حتى أصبح البعض يبحث عن البديل الأرخص ولو كان على حساب عوامل الأمان، فمع ارتفاع الأسعار، يلجأ بعض قائدى السيارات إلى شراء إطارات مستعملة بدلًا من الجديدة لتوفير النفقات، ومع الحمولة الكبيرة وطول ساعات التشغيل تزداد مخاطر انفجار الإطار ووقوع الحوادث، وهو ما أشار إليه التقرير المبدئى للحادث.
لا أقول إن هذا هو السبب الوحيد للحوادث، ولكن عندما يصبح الفقر والغلاء وضغط المعيشة عوامل تدفع المواطن إلى اختيارات اضطرارية قد تهدد سلامته، فهنا لا بد أن نتوقف ونسأل: أين دور الدولة فى حماية المواطن؟
لقمة العيش لا يجب أن تتحول إلى طريق للموت، وهؤلاء الأطفال دفعوا ثمن الفقر بأرواحهم النقية، وأصبحوا شهداء لقمة العيش.
وهنا لا يمكن أن يكون السؤال فقط: كيف وقع الحادث؟ وإنما يجب أن يكون السؤال أيضًا: من المسؤول؟ وماذا فعلنا حتى لا تتكرر تلك المأساة؟
لأن تلك الأرواح البريئة ليست أرقامًا تُذكر فى بيان ثم تُطوى صفحتها، ودموع الأسر المكلومة ليست مشهدًا عابرًا ينتهى بانتهاء الخبر.
محتاجين كام حادث حتى يشعر المسؤول أنه يجب أن يتحمل مسؤوليته عن تلك الحوادث؟! ومحتاجين كام روح تزهق حتى تشعروا أن هناك أخطاء يجب تحمل مسؤوليتها ومعالجتها، بل ورحيل المسؤول عنها فى حالة ثبوت تقصيره أو فشله؟!
إلى متى نظل نكتفى ببيانات التعازى، وفتح التحقيقات، وصرف التعويضات، وتشكيل اللجان، ثم تهدأ العاصفة ويعود كل شىء إلى ما كان عليه؟!
هل أصبحت أرواح المواطنين مجرد أرقام فى بيانات، أم أن وراء كل رقم أسرة مكلومة وحياة انتهت وقلوب تعتصر ولن تتوقف عن الألم؟!
المواطن ليس حقل تجارب، والكرسى ليس حصانة من الحساب، فالمسؤولية ليست بيان تعزية، ولا لجنة تحقيق، ولا تعويضًا ماليًا، المسؤولية محاسبة حقيقية، ومن يثبت تقصيره أو فشله يجب أن يتحمل النتيجة.
لأن أرواح الناس أغلى من أن تكون مجرد أرقام فى سجل الحوادث، ودموع الأمهات لا يمكن أن تجف ببيان أو تصريح.
استقيموا يرحمكم الله.













