سميرة الدغيدي تكتب : محضر ضد الفقر.. لا ضد الأب والأم المكلومين !
طالعت حالًا منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، لأحد المحامين بيقول إنه ينوي التقدم ببلاغ للنائب العام ضد أب وأم فقدا ابنهم وابنتهم في حادث الإسماعيلية البشع، بحجة إنهم شغّلوهم وهما لسه أطفال.
يا معالي المستشار.. سيبوا الناس الغلابة في حالهم.
الأب والأم دول مش محتاجين بلاغ ولا تحقيق ولا محاكمة.. لأنهم اتحكم عليهم بالفعل، من غير محضر، ومن غير جلسات، ومن غير قاضٍ.
اتحكم عليهم بعمر كامل من الوجع.. بعمر لن تنتهي فيه حسرة أم دفنت ابنها وبنتها، وأب انكسر ظهره وفقد فلذتي كبده.
دي عقوبة مفيش محكمة في الدنيا تقدر تحكم بيها على إنسان.
ولو عايز تعمل محضر، يا معالي المستشار، اعمل محضر في المكان الصح.
اعمل محضر ضد الغلاء.. اللي خلى لقمة العيش معركة يومية، واللي خلى أسرة كاملة تكافح من الفجر لآخر الليل عشان توفر الحد الأدنى من الحياة.
اعمل محضر ضد الفقر.. اللي أجبر آلاف الأسر على إن أطفالها ينزلوا يشتغلوا بدل ما يقعدوا في مدارسهم، مش لأن آباءهم وأمهاتهم مش بيحبوهم، ولكن لأنهم أحيانًا بيكونوا محاصرين بين احتياجات البيت وقلة الدخل.
ومتفتكرش إن الأب والأم قاعدين في البيت مرتاحين.
دي أسر بتطلع من الفجر، وتشتغل لآخر اليوم، وفي النهاية دخلها بالكاد يكفي فطار فول ورغيف عيش، وغدا على قد الحال.. ويمكن الليل يعدي من غير عشا.
دي مش رفاهية.. دي ناس بتحارب كل يوم عشان تعيش.
اعمل محضر ضد الإهمال.. وضد كل مسؤول قصّر في موقعه، لحد ما بقينا نصحى كل شوية على كارثة جديدة، يدفع ثمنها الغلابة من أرواح أولادهم.
اعمل محضر ضد كل واحد استغل دم الناس علشان يعمل شو إعلامي، أو يجري ورا لقطة، أو يركب موجة الترند.
واعمل محضر ضد القلوب اللي مات فيها الإحساس.. قلوب شافت أمًا تدفن ابنها وبنتها، وأبًا انكسر ظهره، ومع ذلك كان شاغلها الأول إنها تدين وتتهم وتوزع المسؤوليات.
ولو عايز تعمل محضر تاني.. اعمله ضد الاستعراض الفج للثراء، وضد كل من يستفز مشاعر البسطاء باستعراض أموال لا يعرفون كيف ينفقون مثلها.
وضد أولاد البشوات الذين يظهرون على السوشيال ميديا ليتفاخر أحدهم بأنه ينفق مئات الآلاف شهريًا، بينما هناك أسرة لا تعرف كيف ستوفر قوت يومها.
سيبوا الناس المكسورة في حالها.
سيبوا الأب والأم يحزنوا على ولادهم.
سيبوا الأم تدفن أولادها من غير ما نضيف إلى وجعها اتهامًا جديدًا.
قبل ما نحاسب الفقير على اختيارات اضطر إليها، لازم نسأل نفسنا:
إيه اللي وصل الأسرة دي للحظة اللي تخلي طفل ينزل يشتغل بدل ما يعيش طفولته؟
قضية عمالة الأطفال مش قضية أب وأم فقط.. دي قضية فقر، وغلاء، وتعليم، وحماية اجتماعية، وفرص عمل، وسياسات ممتدة لسنوات.
وعلاجها مش ببلاغ ضد أب فقد ابنه وبنته.
علاجها إننا نمنع طفلًا آخر من أن يكون الضحية القادمة.
ارحموا الغلابة.. وكفاية عليهم إنهم بيموتوا كل يوم ألف مرة عشان يعرفوا يعيشوا .













