إيمان عيسي تكتب: المدارس الأجنبية ومصروفات التعليم: مصلحة الطفل لا تعني تحميل الأب ما يفوق قدرته
المدارس الأجنبية ومصروفات التعليم: مصلحة الطفل لا تعني تحميل الأب ما يفوق قدرته
أصبحت المدارس الخاصة والأجنبية في السنوات الأخيرة خيارًا تعليميًا تلجأ إليه بعض الأسر بحثًا عن مستوى تعليمي أفضل أو فرص أوسع لأبنائها. غير أن هذا الاختيار يثير إشكالية قانونية متكررة عند انفصال الزوجين، خاصة عندما تختار الأم مدرسة مرتفعة المصروفات ثم تطالب الأب بتحمل كامل تكلفتها، رغم أن قدرته المالية لا تسمح بذلك.
وهنا يثور سؤال جوهري: هل اختيار أحد الوالدين لنوع معين من التعليم يجعل تكلفته التزامًا تلقائيًا على الطرف الآخر؟
الإجابة القانونية ليست بهذه البساطة.
فالأصل أن نفقة الصغير، بما فيها نفقات التعليم، تُقدَّر وفقًا لاحتياجات الطفل من ناحية، ويسار من تجب عليه النفقة وقدرته المالية الحقيقية من ناحية أخرى. وبالتالي، لا يمكن النظر إلى المصروفات الدراسية بمعزل عن الحالة المالية الفعلية للأب.
فالأب ليس ملزمًا قانونًا بأن يتحمل نفقات تعليمية تفوق قدرته المالية لمجرد أن الطرف الآخر اختار مدرسة خاصة أو أجنبية مرتفعة المصروفات.
وفي المقابل، لا يعني ذلك أن الأب يستطيع التنصل من مسؤولياته التعليمية تجاه أبنائه متى كان قادرًا على الوفاء بها. فمصلحة الطفل في التعليم تظل محل اعتبار، ولكن تحديد نوع التعليم وتكلفته يجب أن يكون مرتبطًا بالقدرة المالية وبالظروف الواقعية للأسرة، وليس بمجرد الرغبة في الوصول إلى مستوى إنفاق لا يتناسب مع دخل الأب.
وقد استقرت مبادئ قضائية في منازعات مصروفات التعليم على أن إلزام الأب بالمصروفات لا يكون بمعزل عن يساره وقدرته المالية، وأنه إذا اختارت الأم مدرسة ذات مصروفات مرتفعة تتجاوز قدرة الأب، فلا يعني ذلك بالضرورة إلزامه بالفارق الناتج عن هذا الاختيار.
وهنا تظهر نقطة مهمة كثيرًا ما يتم تجاهلها.
من حق الأم، في حدود القانون والسلطة التعليمية المقررة لها، أن تسعى إلى توفير أفضل مستوى تعليمي لابنها، ولكن إذا ترتب على اختيارها التعليمي التزام مالي يتجاوز قدرة الأب، فإن تحملها للفارق قد يكون هو الحل الأكثر اتزانًا، بدلًا من تحميل الأب التزامًا لا يستطيع الوفاء به.
فالقانون لا يفترض أن الأب يمتلك موارد مالية غير محدودة، ولا يجوز تحويل الالتزام بالنفقة إلى وسيلة لإجباره على الاستدانة أو تحميله ديونًا تتجاوز دخله الحقيقي.
والأخطر من ذلك أن المبالغة في تقدير الالتزامات المالية قد تأتي بنتيجة عكسية على الطفل نفسه.
فإذا أصبح الأب عاجزًا عن الوفاء بالتزاماته بسبب تحميله مصروفات تفوق قدرته، فقد تتراكم عليه المديونيات والمتجمدات، وقد تترتب على ذلك إجراءات قانونية تؤثر في قدرته على العمل والكسب والإنفاق.
وهنا يجب أن نتوقف أمام سؤال بسيط ولكنه بالغ الأهمية:
هل مصلحة الطفل أن يحصل على حكم بأرقام كبيرة على الورق، بينما يصبح الأب عاجزًا عن دفعها في الواقع؟
أم أن مصلحته الحقيقية أن يكون لديه أب قادر على العمل والكسب والإنفاق بصورة منتظمة، وأن يظل حاضرًا في حياته وتربيته وتعليمه؟
مصلحة الطفل لا تتحقق بمجرد زيادة الأرقام في الأحكام، وإنما بتحقيق توازن حقيقي بين احتياجات الطفل وبين قدرة الأب المالية.
كما أن الإنفاق على الطفل لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة للصراع بين الأب والأم، أو إلى وسيلة لفرض اختيارات أحد الطرفين على الطرف الآخر. فالتعليم مسؤولية، لكنه في الوقت ذاته التزام مالي يجب أن يُقدَّر وفقًا للضوابط القانونية والقدرة الحقيقية لمن يتحمل النفقة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح في كل نزاع حول مصروفات المدارس الخاصة والأجنبية ليس فقط: ما المدرسة التي تريدها الأم للطفل؟
ولكن أيضًا: هل يستطيع الأب تحمل تكلفتها؟ وهل تتناسب هذه التكلفة مع دخله ويساره والتزاماته الأخرى؟ وهل هناك بديل تعليمي مناسب يتوافق مع قدرته المالية؟
فالعدالة لا تعني إفقار الأب، كما لا تعني حرمان الطفل من التعليم المناسب.
العدالة أن يحصل الطفل على حقه، وأن يتحمل الأب ما يستطيع تحمله وفقًا لقدراته الحقيقية، وأن يتحمل الطرف الذي اختار تكلفة إضافية، متى تجاوزت تلك التكلفة قدرة الأب، الفارق الناتج عن اختياره.
وفي النهاية، علينا أن نفرق بين «مصلحة الطفل» وبين «رغبات الكبار».
فالطفل يحتاج إلى تعليم جيد، لكنه يحتاج أيضًا إلى أب قادر على الاستمرار في الإنفاق عليه، وعلى العمل والكسب، وعلى ممارسة دوره الحقيقي في حياته.
ويبقى السؤال مطروحًا:
هل الهدف من أحكام النفقة أن نصل إلى أكبر رقم ممكن على الورق، أم أن نصل إلى رقم يستطيع الأب دفعه فعلًا كل شهر، بما يضمن للطفل حقه ويحافظ في الوقت ذاته على قدرته واستقراره؟












