×
بوابة البرلمان

    رئيس التحرير أحمد الحضري

    السبت 11 أبريل 2026 01:44 صـ
    مقالات

    أحمد الحضرى يكتب قانون حماية المنافسة ” 2-3 “ لماذا يخشاه بعض رجال الأعمال؟

    بوابة البرلمان


    حين تتحول المطالب إلى محاولة لتفريغ القانون من مضمونه

    إذا كان قانون حماية المنافسة يمثل في جوهره حماية للسوق، فمن الطبيعي أن يلقى قبولًا عامًا من حيث المبدأ. لكن عند الدخول في التفاصيل، تبدأ التباينات الحقيقية في الظهور. ليس لأن أحدًا يرفض “المنافسة” صراحة، بل لأن شكل هذه المنافسة وحدودها هي التي تحدد من يربح… ومن يُضطر لإعادة التموضع.

    خلال مناقشات التعديلات الأخيرة، برزت بوضوح مجموعة من المطالبات التي تبدو في ظاهرها “فنية”، لكنها في حقيقتها تعكس اتجاهًا واضحًا نحو تخفيف قبضة القانون.

    أول هذه المطالبات تمثل في الدعوة إلى رفع سقف التركزات الاقتصادية. أي ببساطة، السماح بعمليات اندماج أو استحواذ أكبر دون الخضوع لرقابة مسبقة. الحجة المطروحة عادة هي “تشجيع الاستثمار”، لكن النتيجة العملية قد تكون خلق كيانات مهيمنة قبل أن تتمكن الجهات الرقابية من التدخل.

    ثانيًا، ظهرت مطالبات بإعادة النظر في طريقة احتساب أرقام الأعمال، بما يقلل من عدد الحالات التي تخضع للفحص. وهو طرح يبدو تقنيًا، لكنه في جوهره محاولة لتضييق نطاق تطبيق القانون نفسه.

    ثالثًا، وربما الأكثر وضوحًا، كانت هناك ضغوط لتخفيض الغرامات. تحت دعوى أنها “مرهقة للأعمال”، بينما الحقيقة أن الغرامة هي أداة الردع الأساسية. بدونها، يتحول القانون إلى مجرد توصيات غير ملزمة.

    وهنا يجب التوقف بوضوح:
    قانون بلا ردع… هو قانون بلا أثر.

    المعادلة هنا ليست معقدة. إذا تم رفع الحدود، وتضييق نطاق التطبيق، وتخفيف العقوبات، فنحن لا “نحسن” القانون… بل نعيد تشكيله ليصبح أقل إزعاجًا للكيانات الكبرى. أي أننا ننتج قانونًا مهادنًا، يبدو قويًا على الورق، لكنه ضعيف في التطبيق.

    وهذا تحديدًا هو الخطر.

    لأن التجربة الدولية واضحة: قوانين المنافسة لا تُقاس بنصوصها، بل بقدرتها على التدخل الفعلي. أي تراجع في أدواتها الرقابية أو الردعية ينعكس مباشرة على هيكل السوق.

    لكن في مقابل هذه الضغوط، برز جانب مضيء داخل البرلمان، يعكس فهمًا أعمق لطبيعة القانون.

    النائب محمد فريد، عضو مجلس النواب عن حزب الإصلاح والتنمية، طرح رؤية متوازنة لا تستهدف إضعاف القانون، بل تعزيز فاعليته. خلال مناقشات المادتين (9) و(10)، أشار إلى إشكالية الاعتماد على حدود مالية ثابتة في ظل تضخم مرتفع وتغيرات اقتصادية متسارعة. طرحه لم يكن لتخفيف الرقابة، بل لجعلها أكثر ذكاءً، من خلال ربط هذه الحدود بمؤشرات ديناميكية مثل التضخم أو الناتج المحلي، بما يحافظ على فاعلية القانون بمرور الوقت.

    الأهم من ذلك، أنه أعاد طرح جوهر القضية:
    الحياد التنافسي.

    تطبيق نفس القواعد على الجميع، بما في ذلك الشركات الحكومية، ليس خيارًا، بل شرط أساسي لأي سوق عادل. لأن المنافسة لا تُقاس فقط بمن يدخل السوق، بل بمن يلعب بنفس القواعد.

    وفي نفس السياق، تقدم النائب أحمد ناصر، نائب حزب العدل، بمقترح شديد الأهمية لتوسيع نطاق التجريم ليشمل تبادل المعلومات الحساسة بين المتنافسين—مثل الأسعار، التكاليف، خطط الإنتاج أو التسويق—بما يؤدي إلى تنسيق غير مباشر للسلوك في السوق. هذا الطرح يعكس فهمًا حديثًا لطبيعة الاحتكار، الذي لم يعد يقتصر على الاتفاقات الصريحة، بل يشمل أيضًا “التواطؤ الضمني”.

    كما دعمت النائبة فاطمة عادل هذا الاتجاه من خلال المطالبة بتوسيع تعريف الممارسات التنافسية ليشمل أي تنسيق مباشر أو غير مباشر، حتى عبر أطراف وسيطة، يؤدي إلى توحيد سلوك المتنافسين. وهو تطور تشريعي مهم، لأن كثيرًا من الممارسات الاحتكارية الحديثة تتم عبر قنوات غير تقليدية يصعب إثباتها بالنصوص الضيقة.

    وهنا يظهر الفارق بوضوح بين اتجاهين:

    اتجاه يسعى إلى “تخفيف” القانون تحت عناوين الاستثمار والتيسير،
    واتجاه آخر يسعى إلى “تطويره” ليواكب تعقيد الأسواق الحديثة دون التفريط في جوهره.

    النقاش الحقيقي إذن ليس حول تفاصيل فنية، بل حول فلسفة القانون نفسه:
    هل هو أداة لحماية المنافسة… أم إطار قابل للتفاوض مع المصالح الأكبر؟

    الاقتصاد لا يحتاج إلى قوانين مريحة، بل إلى قوانين فعالة.
    والسوق لا يُحمى بالنوايا، بل بالردع.

    لذلك، فإن التحدي اليوم ليس فقط في إصدار قانون حماية منافسة جديد، بل في ضمان ألا يخرج هذا القانون منزوع الأدوات، فاقد القدرة، أو محكومًا بتوازنات لا علاقة لها بعدالة السوق.

    لأن أخطر ما يمكن أن نفعله…
    هو أن نُصدر قانونًا قويًا في شكله… ضعيفًا في أثره.

    مواقيت الصلاة

    السبت 01:44 صـ
    22 شوال 1447 هـ 11 أبريل 2026 م
    مصر
    الفجر 04:03
    الشروق 05:33
    الظهر 11:56
    العصر 15:30
    المغرب 18:19
    العشاء 19:39