د . محمد فؤاد يكتب : كما فوق… كما تحت: كيف تدنّى التواصل السياسي في مصر؟
خلال أسبوع واحد وجدت نفسي أتقدم بطلبي إحاطة إلى جهتين مختلفتين حول ملفين مختلفين ظاهريًا. الأول إلى وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي بشأن غياب مؤشرات تقييم استجابة الوزارات والجهات الحكومية للطلبات البرلمانية، والثاني إلى رئيس مجلس الوزراء بشأن جودة أداء منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة وآليات الرقابة على معالجة شكاوى المواطنين.
لكن كلما تعمقت في الملفين، بدا لي أنني لا أناقش مشكلتين مختلفتين، بل أتتبع أعراض المشكلة نفسها: تراجع جودة التواصل العام في الدولة المصرية وتحوله تدريجيًا من أداة لحل المشكلات وتحسين السياسات إلى مجرد إجراء إداري يُستوفى، وحركة مستمرة لا يوازيها بالضرورة أثر حقيقي على أرض الواقع.
في العلوم الإدارية هناك فرق كبير بين وجود قناة اتصال، ووجود تواصل فعلي. قد تمتلك المؤسسة عشرات المنصات والنماذج واللجان والمكاتب، ومع ذلك تفشل في إيصال رسالة واحدة أو حل مشكلة واحدة. وعندما يحدث ذلك يتحول الاتصال من أداة لصناعة القرار إلى مجرد نشاط إداري يركز على استكمال الإجراءات أكثر من تحقيق النتائج.
وهذا الوصف يكاد يلخص جانبًا مهمًا مما نراه اليوم.
ففي أحد الملفين يقف وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي مسؤولًا عن قناة التواصل بين الحكومة والبرلمان. وهي القناة التي يفترض أن تنقل مشكلات المواطنين ومطالبهم إلى الجهات التنفيذية وأن تتابع استجابة الحكومة لها. وقد شهد اجتماع سابق لرئيس مجلس الوزراء مع رؤساء الهيئات البرلمانية تكليف الوزارة بإعداد تقرير يتضمن معدلات استجابة الجهات الحكومية للطلبات البرلمانية، بما يسمح بقياس مستوى التعاون بين الحكومة ومجلس النواب ورصد أوجه القصور والعمل على معالجتها.
ومع ذلك لم يُتح حتى الآن أي تقرير معلن أو مؤشرات أداء واضحة تسمح بتقييم هذه المنظومة. فلا نعرف متوسط زمن الردود، ولا الجهات الأكثر تعاونًا أو الأقل استجابة، ولا حجم التفاوت بين الوزارات المختلفة. وبدلًا من أن تستند عملية التقييم إلى البيانات والمؤشرات، أصبحت تعتمد على الانطباعات الشخصية والخبرات الفردية للنواب والمواطنين.
أما في الملف الثاني، فيقف رئيس مجلس الوزراء على رأس واحدة من أهم أدوات التواصل المباشر بين المواطن والدولة، وهي منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة. ورغم أن وزارة الاتصالات توفر البنية التقنية اللازمة لتشغيل المنظومة، فإن مسؤولية تقييم جودة الاستجابة الحكومية ومتابعة أداء الجهات المختلفة في التعامل مع الشكاوى تظل في جوهرها مسؤولية حكومية مركزية تقع ضمن اختصاصات رئاسة مجلس الوزراء. وقد نجحت المنظومة بلا شك في استقبال أعداد ضخمة من الشكاوى والتظلمات، وأصبحت مستودعًا مهمًا للبيانات والمعلومات المتعلقة بمشكلات المواطنين في مختلف القطاعات.
لكن السؤال هنا لا يختلف كثيرًا عن السؤال المطروح أمام وزير الشئون النيابية في الملف الأول. فإذا كنا لا نملك مؤشرات واضحة لقياس جودة استجابة الوزارات للطلبات البرلمانية، فإننا كذلك لا نملك قدرًا كافيًا من المؤشرات التي تقيس جودة معالجة الشكاوى الحكومية ومدى تحولها إلى حلول فعلية على أرض الواقع.
فنجاح المنظومة لا يقاس فقط بعدد الشكاوى المستقبلة أو المغلقة، وإنما بمدى قدرتها على حل المشكلة محل الشكوى من الأساس. وهناك فرق كبير بين إغلاق الشكوى وإغلاق المشكلة. فقد يحصل المواطن على رد رسمي خلال أيام، وقد تُغلق الشكوى إداريًا باعتبارها انتهت، بينما تظل المشكلة قائمة على أرض الواقع كما هي.
وفي الحالتين نجد أنفسنا أمام الظاهرة نفسها: التركيز على النشاط بدلًا من النتيجة.
عدد الخطابات المرسلة بدلًا من عدد المشكلات التي تم حلها.
عدد الشكاوى المغلقة بدلًا من عدد الشكاوى التي انتهت بمعالجة حقيقية.
عدد الاجتماعات بدلًا من جودة القرارات الناتجة عنها.
وهنا نصل إلى جوهر الأزمة.
فالتواصل السياسي في أي دولة ليس وظيفة بروتوكولية. وليس مكتبًا لتبادل المكاتبات. وليس إدارة علاقات عامة موسعة. بل هو نظام تغذية راجعة كامل يسمح لصانع القرار بفهم ما يجري على الأرض واتخاذ قرارات أفضل. وعندما يضعف هذا النظام تبدأ الدولة في فقدان قدرتها على التقاط الإشارات المبكرة للمشكلات، وتصبح القرارات أكثر بعدًا عن الواقع، ويزداد الشعور العام بأن المواطن يتحدث ولا أحد يسمع، وأن النائب يكتب ولا أحد يقرأ، وأن المؤسسات تتبادل الأوراق أكثر مما تتبادل المعلومات.
لكن من غير المنصف تحميل الحكومة وحدها مسؤولية هذا التراجع.
فالبرلمان نفسه يتحمل جانبًا معتبرًا من المسؤولية. لقد تراجعت خلال سنوات طويلة أدوات المساءلة الفعلية لصالح أشكال أكثر هدوءًا وأقل تأثيرًا. وأصبحت بعض أدوات الرقابة البرلمانية تمارس باعتبارها حقًا إجرائيًا أكثر منها وسيلة حقيقية للمحاسبة والمتابعة. وفي ظل ضعف المتابعة الدورية لمعدلات استجابة الحكومة، وندرة نشر المؤشرات المقارنة بين الجهات، وتراجع استخدام أدوات الرقابة الأكثر تأثيرًا، تقلصت الحوافز التي تدفع الأجهزة التنفيذية لتحسين أدائها.
فأي منظومة إدارية تتحسن عندما تعلم أنها ستُقاس.
وأي منظومة تتراجع عندما تدرك أن الأداء لن يُقارن ولن يُعلن ولن يُناقش.
ولهذا فإن القضية لا تتعلق بتقرير مفقود هنا أو بطلب إحاطة هناك، بل تتعلق بفلسفة إدارة كاملة تحتاج إلى مراجعة. فسواء كان المواطن يتحدث إلى الحكومة مباشرة عبر منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة، أو يتحدث إليها عبر نائبه من خلال منظومة الاتصال السياسي بين البرلمان والحكومة، فإن المعيار يجب أن يبقى واحدًا: هل وصلت الرسالة؟ وهل تحولت إلى استجابة حقيقية؟
نحن لا نحتاج مزيدًا من قنوات التواصل بقدر ما نحتاج تحسين جودة التواصل القائم بالفعل. ولا نحتاج مزيدًا من التقارير بقدر ما نحتاج مؤشرات أداء معلنة وقابلة للقياس. ولا نحتاج مزيدًا من الردود الرسمية بقدر ما نحتاج التأكد من أن المشكلة التي دفعت المواطن أو النائب إلى الكتابة قد جرى حلها بالفعل.
فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد ما تتلقاه من رسائل، بل بقدرتها على الاستماع إليها والاستجابة لها. والبرلمان لا يُقاس بعدد الطلبات التي يقدمها أعضاؤه، بل بقدرته على تحويل هذه الطلبات إلى مساءلة حقيقية وتحسين ملموس في حياة الناس.
ولهذا فإن ما بدا كأنه طلبي إحاطة منفصلان ليس في الحقيقة سوى محاولة لفتح النقاش حول قضية واحدة. فالمشكلة ليست في غياب الأدوات، بل في غياب المحاسبة على نتائج استخدامها. وعندما تصبح الحركة بديلًا عن الإنجاز، والإجراء بديلًا عن النتيجة، يفقد التواصل معناه، وتفقد المؤسسات قدرتها على التعلم والتحسن والاستجابة.
وكما هو الحال في أعلى هرم الدولة، كذلك في أسفله؛ وكما فوق… كذلك تحت.










