منال عبد العال تكتب : هل اصبح إعلام الدولة عبئا عليها ؟
بمناسبة تصريحات وتوجيهات السيد وزير الدولة للإعلام، والخاصة ب"تطوير الإعلام"، وعرض الرأي والرأي الآخر، هل المشكلة تكمن فعلًا في غياب صوت معارض أو حتى ناقد؟
الحقيقة أزمة الإعلام أعمق من ذلك بكثير، وقبل الحديث عن الرأي الآخر، يجب الحديث عن خطر الإعلام "الموالي".
بدايةً، التوجيهات الخاصة بتطوير الإعلام ليست جديدة:
- في 26 أكتوبر 2016، طالب الرئيس باستقلالية الإعلام وتشجيع حرية الرأي.
- وفي 26 ديسمبر 2020، وجّه بإتاحة المعلومات للإعلاميين، والالتزام بالشفافية والمصداقية وسماع الرأي الآخر.
- وفي 10 أغسطس 2025، جاءت توجيهات جديدة بتطوير الإعلام، وإتاحة البيانات والمعلومات، وترسيخ مبدأ "الرأي والرأي الآخر".
بعد كل هذه السنوات، يبقى السؤال البسيط: ماذا نُفذ؟ وماذا تغير فعلًا؟
أنا مؤمنة أن من حق الدولة، بل من واجبها، أن تمتلك إعلامًا يدافع عن مصالحها الوطنية، ويشرح سياساتها، ويواجه حملات التضليل ضدها. ولا أعتقد أصلًا أن هناك إعلامًا في العالم بلا أچندة أو توجه.
(يجب هنا التأكيد أنني أتحدث عن مصالح الدولة المصرية العليا، وليس الأشخاص.)
لكن الفارق هو المهنية.
الإعلام الذي يخدم دولته يجب أن يكون سريعًا في الوصول إلى المعلومة، دقيقًا في نقلها، محترفًا في التعامل معها، وقادرًا على الدفاع عن موقف بلاده بالحجة والحقائق، لا بالصوت العالي أو التخوين أو اختلاق المعلومات.
وهنا تكمن مشكلتنا.
لعشر سنوات، ظل بعض الإعلاميين من متصدري المشهد، يتحدثون وكأنهم لسان الدولة:
يحددون من هو الصديق ومن هو العدو، ومن هو الإرهابي ومن هو الوطني، ومَن تتصالح معه مصر ومَن لن تتصالح معه، بل ويتحدثون أحيانًا باسم الرئاسة والخارجية والدفاع والأجهزة الأمنية.
وبمرور الوقت، ترسخت لدى قطاعات من الجمهور فكرة أن ما يقوله هؤلاء هو بالضرورة موقف الدولة.
المشكلة تظهر عندما تتخذ الدولة، بحكم مسؤوليتها ومصالحها، قرارًا سياسيًا مختلفًا.
فحين تتغير العلاقات مع دولة ما كانت تُقدَّم للمصريين لسنوات باعتبارها عدوًا، قطر وتركيا مثلًا، أو يحدث تقارب مع طرف قيل لهم إنه لا يمكن التصالح معه، يجد المواطن نفسه أمام تناقض بين سياسة دولته الحقيقية وبين السردية التي زرعها بعض الإعلاميين في ذهنه لسنوات.
وهنا يبدأ الهجوم على الدولة نفسها: "فرطت في حقوق الشهداء"، "تنازلت"، "باعت مواقفها".. إلخ.
والحقيقة أن السياسة الخارجية ليست برنامجًا تليڨزيونيًا، ولا تُدار بالشعارات. الدول تتعامل وفق مصالحها، وتغيّر مواقفها عندما تتغير الظروف.
لذلك، عزيزتي الدولة المصرية، ومن منطلق حرصي على صورتك ومكانتك، أتمنى أن تكوني قد أدركتِ أخيرًا أن الإعلام الذي يرفع صوته باسمك، من دون أن يملك معلوماتك أو يعبر بالضرورة عن مواقفك، قد يكون أخطر عليكِ من أي عدو خارجي.
قبل احتياجِك إلى صوت معارض يحقق التوازن للمشهد، أنتِ لا تحتاجين إعلامًا يردد ما تريدين سماعه، وإنما تحتاجين إعلامًا مهنيًا يحمي مصالحك، ويكسب ثقة جمهورك، ويفند أكاذيب خصومك بالمعلومة، ويعرف أن " الرأي الآخر" ليس تهديدًا للدولة.
ويبقى السؤال:
متى نرى هذه التوجيهات واقعًا في الإعلام المصري، لا مجرد تصريحات؟












