أحمد أبو صالح يكتب: أخطأ المحافظ.. وأصابت المدرسة
لا أحد يختلف على أن من حق المحافظ أن يراقب ويحاسب، بل إن الجولات المفاجئة للمسؤولين مطلوبة لكشف أوجه القصور ووضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم.. لكن المحاسبة لها قواعد، وأولها أن تسمع الطرف الآخر قبل أن تصدر حكمك عليه.
في خلال جولة المهندس حسام عبد الفتاح، محافظ القليوبية، الميدانية داخل مدرسة الشهيد أحمد سمير بمنطقة كفر الجزار بمدينة بنها، وجه انتقادات لمديرة المدرسة بشأن مستوى الاستعداد والنظافة، لترد المديرة وتشرح موقفها، وتؤكد أنها ووكيلة المدرسة أنفقتا على تصليح مرافق أساسية من أموالهما على احتياجات المدرسة، وقدمت مستندات تتعلق بما قامت به.
المشهد هنا أكبر من مجرد مشادة بين مسؤول ومديرة مدرسة.
السؤال الحقيقي: لماذا وصلت مديرة مدرسة إلى أن تضطر للدفاع عن نفسها أمام المحافظ؟ وقدمت ما يفيد بأنها أبلغت الإدارة التعليمية من قبل باحتياجات المدرسة، وطلبت إصلاحات ولم تجد الاستجابة؟ وإذا كانت قد تحملت بالفعل أعباء من مالها الخاص، فهل يكون جزاؤها اللوم أم التقدير؟
وحتى إذا كانت المستندات لا تثبت بشكل قاطع أنها دفعت الأموال من حسابها الشخصي، كما أصدر المحافظ بيانًا يقول هذا، فالحسم هنا لا يكون بالصوت المرتفع، وإنما بالتحقيق والمستندات.
المشكلة ليست في أن يحاسب المحافظ مديري المدارس، المشكلة في كيف تتم المحاسبة.
المسؤول الكبير لا يقاس فقط بقدرته على اكتشاف الخطأ، وإنما بقدرته على اكتشاف سبب الخطأ ومن المسؤول الحقيقي عنه ومعالجته.
فقد يرى المسؤول مدرسة تحتاج إلى نظافة أو صيانة، لكن عليه أن يسأل أيضًا: لماذا لم يتم توفير الإمكانيات؟ ومن الذي تأخر في الاستجابة؟ وهل المسؤول عن المشكلة هو مدير المدرسة فعلًا، أم أن هناك مسؤولين آخرين كان يجب أن يتدخلوا قبل أن تصل الأمور إلى هذه الصورة؟
نحن لا نريد مسؤولًا يكتفي بتوجيه اللوم أمام الكاميرات، وإنما نريد مسؤولًا يبحث عن أصل المشكلة ويعالجها.
حاسبوا المقصر.. نعم.. ولكن اسمعوا دفاعه أولًا، ولا تجعلوا الموظف يخاف من المسؤول.. اجعلوه يثق أنه عندما يقول الحقيقة سيجد من يسمعه.
فالمدرسة ليست مجرد مبنى، ومدير المدرسة ليس شماعة نعلق عليها كل أوجه القصور.
وإذا كانت مديرة المدرسة قد تحملت من مالها الخاص لتوفير احتياجات لطلابها، فهي تستحق أن نشكرها ونكرمها، وإذا كان هناك خلاف حول حقيقة ما أنفقته، فالمستندات والتحقيق هما الفيصل.
لكن في كل الأحوال، لا يجب أن تتحول جولة التفتيش إلى محاكمة سريعة، المسؤول الناجح ليس من يبحث فقط عن المخطئ.. وإنما من يبحث عن الحل.
وهنا كانت المدرسة محقة في أن تدافع عن نفسها وتوضح موقفها، وكان الأجدر أن يتحول الحوار من توبيخ إلى سؤال: ماذا تحتاج هذه المدرسة حتى تصبح بالشكل الذي نريده؟
نريد الحزم.. ولكن نريد معه العدل، نريد المحاسبة.. ولكن نريد معها الاستماع.
نريد مسؤولًا يرى الخطأ.. لكن الأهم أن يرى الإنسان الذي يقف أمامه ويحاول أن يشرح له لماذا حدث الخطأ.
لأن الموظف الذي يخاف أن يتحدث، لن يخبرك بالحقيقة.. والمسؤول الذي لا يسمع إلا صوته، قد يرى نصف الصورة فقط.
وفي النهاية، جولات المحافظين مهمة، ولكن تحتاج إلى الكياسة في التعامل مع المواقف، والهدوء، والاستماع أكثر لمعرفة أبعاد المشاكل والسعي للحلول.
أخطأ المحافظ في طريقة التعامل.. وأصابت المدرسة عندما دافعت عن نفسها بالمستندات.
استقيموا يرحمكم الله.











