أحمد الحضري يكتب : صفقة إنرجيان: من يشتري الأصول.. ومن يستطيع تشغيلها؟
في صفقات الاستحواذ العادية، ينشغل البائع بالسعر والمشتري بالتمويل. لكن عندما تكون الأصول محل الصفقة حقولًا للغاز والبترول ترتبط بإنتاج دولة وأمن طاقتها، تصبح المسألة أكبر من مجرد اتفاق تجاري بين شركتين.
من هنا تأتي أهمية السؤال البرلماني الذي تقدم به النائب حسام الخشت بشأن ما يتردد عن مفاوضات انتقال عدد من أصول بي بي في مصر إلى شركة إنرجيان. فالسؤال يتجاوز الصفقة نفسها إلى قضية أكثر أهمية: ما المعايير التي يجب أن تحكم موافقة الدولة على انتقال السيطرة على أصول بترولية استراتيجية؟
اتفاقيات الامتياز لا تتعامل مع انتقال الحقوق باعتباره تصرفًا تجاريًا خالصًا. فالتنازل المباشر أو غير المباشر، وكذلك تغيير السيطرة، يخضع لموافقة الحكومة. والمنطق واضح: الدولة عندما تمنح شركة حقوق البحث والتنمية والإنتاج لا تنظر فقط إلى قدرتها على دفع الأموال، وإنما إلى ملاءتها المالية وخبرتها الفنية وقدرتها التشغيلية وتنفيذ برامج الحفر والتنمية.
وبالتالي، عندما تتغير الشركة التي ستسيطر فعليًا على هذه الحقوق، يجب أن تُطرح الأسئلة نفسها من جديد.
وهنا تكمن أهمية حالة بي بي وإنرجيان. فالمقارنة ليست بين اسمين، وإنما بين شركتين تختلفان بدرجة كبيرة في الحجم والقدرة المالية والتاريخ التشغيلي والخبرة الفنية. بي بي راكمت على مدار عقود خبرة واسعة في تطوير وتشغيل مشروعات المياه العميقة، ولها تاريخ طويل في مصر. أما إنرجيان فهي شركة أصغر كثيرًا، ولديها محفظة والتزامات رأسمالية أخرى.
هذا لا يعني أنها غير قادرة على إدارة الأصول، لكنه يعني أن قدرتها يجب أن تُفحص، لا أن تُفترض.
ثمن الشراء ليس الاختبار
قد يستطيع مستثمر تدبير مليار دولار لشراء أصل، ثم يحتاج إلى مليارات أخرى للحفاظ على إنتاجه وتنميته. ولذلك فإن السؤال ليس فقط: هل تستطيع إنرجيان تمويل الاستحواذ؟ وإنما: ماذا ستفعل في اليوم التالي للاستحواذ؟
كم تحتاج الأصول التي ستنتقل إليها من استثمارات خلال السنوات المقبلة؟ كم بئرًا يجب حفرها؟ وما تكلفة برامج التنمية؟ وهل تمتلك الشركة التدفقات النقدية والقدرة التشغيلية لتنفيذها بالتوازي مع التزاماتها الأخرى؟
في صناعة البترول، شراء الأصل لا ينتج مترًا مكعبًا إضافيًا من الغاز. الحفر والتنمية هما ما يفعلان ذلك.
وهذه النقطة تكتسب حساسية أكبر في مصر، لأننا لا نملك حاليًا رفاهية تباطؤ برامج تنمية الإنتاج المحلي في وقت ارتفع فيه اعتماد البلاد على الغاز المستورد.
معضلة تخصيص رأس المال
وهنا تظهر زاوية أخرى أثارها سؤال الخشت: تخصيص رأس المال.
إنرجيان لديها مشروعات واستثمارات خارج مصر تتنافس بطبيعتها على موارد الشركة. وكل شركة تقارن بين العائد والمخاطر والتكلفة قبل تحديد أين تضع أموالها.
وتصبح المسألة أكثر حساسية إذا كانت بعض استثمارات الشركة خارج مصر مرتبطة بإنتاج غاز يمكن أن يستهدف السوق المصري نفسه.
السؤال هنا اقتصادي وليس اتهامًا للشركة: إذا كان أمام المستثمر دولار واحد، فهل يضعه في حفر بئر وتنمية إنتاج داخل مصر، أم في مشروع آخر يمكنه من خلاله إنتاج الغاز ثم بيعه إلى مصر؟
الدولة ليست مطالبة بالتدخل في قرارات الشركة التجارية، لكنها مطالبة قبل الموافقة على الصفقة بالتأكد من أن التزامات الاستثمار في مصر لن تصبح الطرف الخاسر في هذه المفاضلة.
من يحل محل خبرة بي بي؟
ثم يأتي العنصر الفني.
المياه العميقة ليست مجرد تمويل لعملية حفر. هناك معرفة جيولوجية وهندسة مكامن وتصميم آبار وبنية تحتية بحرية وربط للإنتاج وإدارة لمخاطر تشغيلية ومالية معقدة.
والخبرة التي راكمتها شركة مثل بي بي لا تنتقل تلقائيًا بمجرد انتقال ملكية الأصول.
لذلك يجب أن نعرف من سيدير فنيًا بعد الصفقة، ومن سيضع برامج الحفر، وما الخبرات والكوادر التي ستظل موجودة، وما سجل إنرجيان الفعلي في حفر وتطوير وتشغيل المياه العميقة.
ويزداد الأمر أهمية مع شراكة «أركيوس» القائمة بين بي بي وشركة إكس آر جي التابعة لأدنوك. فإذا ترتب على الصفقة تغيير في المسؤوليات الفنية أو التشغيلية المرتبطة بهذه الأصول، فيجب تقييم ذلك باعتباره جزءًا أصيلًا من قرار الموافقة، وليس تفصيلًا يأتي لاحقًا.
نفس التدقيق للجميع
سبق لإنرجيان نفسها أن اتجهت إلى بيع محفظة أعمالها في مصر وإيطاليا وكرواتيا إلى كارليل، قبل تعثر الصفقة في ظل عدم استكمال الموافقات التنظيمية اللازمة.
وهنا يبرز مبدأ بسيط: من خضع مشتري أصوله للتدقيق، يجب أن يخضع هو للتدقيق نفسه عندما يصبح مشتريًا.
فإذا كان انتقال أصول إنرجيان إلى مستثمر آخر يستوجب فحص قدرته المالية والفنية، فمن الطبيعي أن تخضع إنرجيان للقدر نفسه من الفحص عندما تصبح هي المشتري لأصول أكبر وأكثر حساسية.
ليس المطلوب موقفًا مسبقًا ضد الصفقة، كما أنه ليس من المنطقي الموافقة عليها لمجرد اتفاق البائع والمشتري.
المطلوب اختبار واضح: ما مديونية الشركة؟ ما تدفقاتها النقدية؟ ما التزاماتها الاستثمارية؟ ما حجم الإنفاق المطلوب في مصر؟ وما الضمانات التي ستقدمها لتنفيذ برامج الحفر والتنمية؟
مصر هنا ليست مجرد متفرج على عملية بيع بين شركتين. موافقة الدولة جزء جوهري من انتقال الحقوق، وبالتالي تقع عليها مسؤولية التأكد من أن الانتقال لن يضعف القدرة على تنمية الاحتياطيات وزيادة الإنتاج.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل إنرجيان شركة جيدة أم سيئة؟ ولا حتى: هل تستطيع دفع ثمن أصول بي بي؟
السؤال هو: هل تستطيع الشركة التي ستتسلم هذه الأصول أن تتحمل الالتزامات التي كانت تتحملها بي بي، وأن تمول حفرها وتنميتها وتحافظ على إنتاجها وتزيده؟
إذا كانت الإجابة نعم، فيجب أن تثبتها الأرقام وبرامج الاستثمار والضمانات والخبرة الفنية.
أما إذا لم تستطع إثبات ذلك، يصبح ثمن الصفقة مسألة ثانوية.
لأننا في النهاية لا نتحدث عن مجرد صفقة استحواذ، وإنما عن قرار يتعلق بمن سيحمل جزءًا من مستقبل إنتاج الغاز المصري











