النائب محمد فؤاد يكتب: أرقام الفقر وأطول أسبوع في التاريخ!
في أبريل الماضي، أمهلت اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب وزارة التخطيط أسبوعًا لإتاحة أحدث بيانات الفقر. دخلنا أكتوبر، وما زلنا ننتظر. نحو ستة أشهر مرت على مهلة من سبعة أيام. وفي هذه المسافة بين الوعد والتنفيذ، تظهر قيمة التعهد الحكومي أمام البرلمان: كلام يقال، وموعد يمر، ومطالبة تتكرر، ثم يستمر كل شيء كأن شيئًا لم يحدث.
لكن الحكومة التي لم تجد الوقت لإعلان أرقام الفقر، وجدت الوقت للاستعداد لمؤتمر عن إنجازاتها. تستطيع تجهيز المنصة، وترتيب الكلمات، وحشد الأرقام التي تريد عرضها. أما الرقم الذي يكشف كم مصريًا يستطيع تلبية احتياجاته الأساسية، فلا يزال ينتظر. مشهد يختصر ترتيب الأولويات: إعلان الإنجاز جاهز، وإتاحة أدوات تقييمه مؤجلة.
ثم يخرج علينا من يطالب الناس بتذكر الإنجازات، ويعاتبهم على أنهم لا يقدرون حجم العمل. بأي منطق؟ كيف تطلب الحكومة شهادة نجاح من مجتمع تحجب عنه أهم بيانات الاختبار؟ وكيف تريد من المواطن أن يصدق أن حياته تحسنت، بينما لا تتيح للبرلمان البحث الذي يقيس هذا التحسن أو يكشف غيابه؟
القصة موثقة، ومطالبنا معلنة. سبق أن طالبنا، نحن نواب حزب العدل، بإعلان نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك. وفي أبريل، ناقشت اللجنة الاقتصادية طلب الإحاطة المقدم من النائبة إيرين سعيد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، بحضور ممثلي وزارة التخطيط والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. كان الملف مطروحًا، وكانت الجهات المختصة حاضرة، وكانت الإجابة منتظرة.
خلال المناقشة، أكدتُ أن التقرير الحديث قد تم الانتهاء منه، وأوضح ممثلو الحكومة أنه مكتمل ويخضع للمراجعة الفنية قبل الإعلان. وانتهى الاجتماع بتوجيه لإحالة التقرير المحدث إلى اللجنة خلال أسبوع. نحن إذن أمام بحث مكتمل، ومراجعة فنية، ومهلة محددة. وبعد كل هذه الشهور، يحق لنا أن نسأل: ما الذي يمنع إعلان النتائج؟
ومنذ شهرين، أعادت النائبة سحر عتمان طرح القضية. واليوم تقدم النائب حسام الخشت بطلب إحاطة جديد. كأن البرلمان مطالب بأن يذكّر الحكومة بوظيفتها كل شهرين، وكأن نشر البيانات خدمة إضافية تؤديها عندما تسمح ظروفها. هذا التكرار يضعف مصداقية التعهدات الحكومية، ويكشف مدى الاستهانة بمطالبة عامة تتصل مباشرة بحياة ملايين المواطنين وأوضاعهم المعيشية.
ويبدو أن أحدًا لا يهتم بالقدر الذي يستحقه الملف. الجدية لها علامات: تنفيذ، وتفسير، والتزام بموعد. لم نرَ تنفيذًا للوعد، وما زلنا ننتظر البيانات. ولذلك فإن التشكيك في جدية الحكومة هنا له أساس واضح. فمن يتحدث عن مكافحة الفقر، ثم يترك بياناته غائبة رغم المطالبات، عليه أن يفسر هذا التناقض قبل أن يطلب الثقة.
هذا عيب سياسي ومؤسسي. عيب أن يتعهد ممثلو الحكومة أمام لجنة برلمانية ثم يمر الموعد دون نتيجة. وعيب أن تتحول المعلومة العامة إلى مطلب يحتاج إلى كل هذه المعارك. وعيب أكبر أن تستمر ماكينة الترويج للإنجازات، بينما يبقى البرلمان محرومًا من البيانات اللازمة للحكم على أثر السياسات في مستوى معيشة الناس.
ومؤخرًا، أعدّ حزب العدل دراسة عن إنفاق الأسرة المصرية والضغوط المعيشية. اجتهدنا بالبيانات المتاحة لفهم ما حدث للدخول والأسعار، وكيف تتحمل الأسر تكلفة الضروريات. وتضمنت الدراسة تقديرات بارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنحو ٣٦٠٪ منذ ٢٠١٨، وبزيادات تتجاوز ٤٥٠٪ في بنود أساسية محل التحليل. وهي تقديرات تستدعي نقاشًا وفحصًا بالبيانات الرسمية الحديثة.
هذه الأرقام تشرح لماذا تحتاج زيادة الأجور إلى تقييم يتجاوز قيمتها بالجنيه. الأسرة تدفع ثمن الغذاء والسكن والمرافق والانتقال، وقد تضطر إلى تقليص احتياجات أخرى حتى تستمر. والأسر الأقل دخلًا تملك مساحة أضيق للتكيف، لأن الضروريات تستحوذ على نسبة أكبر من مواردها. هنا تصبح معرفة أنماط الإنفاق أساسًا لتصميم الدعم وقياس كفايته.
نحن نجتهد ونجمع ونحلل، ونعلن حدود تقديراتنا. أما الجهات التي تملك البحث الأصلي، وتملك القدرة على تقديم صورة أدق، فلا تتيحه. ثم قد يخرج من يعترض على اجتهادات الباحثين أو تقديرات الأحزاب. أعلنوا البيانات أولًا، وافتحوا باب التقييم. لا يصح أن تحجب الجهة المختصة المعلومة، ثم تتضايق لأن الآخرين يحاولون فهم الواقع دونها.
وبحث الدخل والإنفاق والاستهلاك يمكّننا من معرفة تطور الفقر، وتقييم الحماية الاجتماعية، وتحديد الفئات التي تحتاج مساندة. زيادة المخصصات تحتاج إلى اختبار أثرها: هل تحسنت أوضاع المستفيدين؟ هل عوضت الزيادات تآكل القدرة الشرائية؟ هل وصل الدعم إلى مستحقيه؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تمنح الإنفاق العام قيمته، وتمنح الحديث عن النجاح أساسًا يمكن فحصه.
وعلى اللجنة الاقتصادية أن تتابع تنفيذ ما قررته، وأن تطلب تفسيرًا محددًا للتأخير، وموعدًا ملزمًا للنشر، وتحديد المسؤولية عن عدم الوفاء بالتعهد. تكرار المناقشة دون نتيجة يفرغها من أثرها. وإذا كانت الحكومة تتوقع من البرلمان أن يأخذ بيانات إنجازاتها بجدية، فعليها أن تأخذ مطالباته وقرارات لجانه بالجدية نفسها، وأن تقدم التقرير الذي وعدت به.
قبل مؤتمر الإنجازات، أعلنوا أرقام الفقر. قدموا كشف الحساب كاملًا، واتركوا الناس تقيّم. من حق المواطن أن يعرف ما حدث لمستوى معيشته، ومن حق البرلمان أن يختبر أثر السياسات. أما حشد المديح مع حجب أدوات التقييم، فيجعل المؤتمر أقرب إلى حملة دعاية حكومية.
انتهى الأسبوع منذ شهور. أعلنوا الأرقام؛ فالجدية تُثبت بالتنفيذ، وقد طال انتظار الدليل.











