أحمد أبو صالح يكتب: رسالة لزميل الأمس.. وزير اليوم
معالي الوزير ضياء رشوان…وزير الدولة للإعلام
تحية طيبة،، وبعد..
أكتب إليك اليوم باعتبارك كاتبًا صحفيًا كبيرًا ونقيبًا سابقًا للصحفيين، يعرف جيدًا قيمة الكلمة، ويدرك أن حرية الصحافة ليست رفاهية، بل روح الحياة داخل أي مجتمع يريد أن يتنفس بشكل طبيعي.
فحرية الصحافة لا تُصنع بالاجتماعات، ولا بالتصريحات، ولا بالشعارات اللامعة، بل تُصنع حين يشعر الصحفي أنه قادر على الكتابة دون خوف، وأن الإعلامي يستطيع أن يناقش ويطرح ويسأل دون أن يتحول كل رأي إلى معركة.
أنت تعلم ،وأنا أعلم، والقراء والمشاهدون يعلمون، أن الصحافة والإعلام بدون حرية يشبهان الحياة بدون ماء؛ قد تستمر الأجساد لبعض الوقت، لكنها تفقد روحها تدريجيًا.
فالإعلام حين يفقد حريته، لا يخسر الصحفي وحده، بل يخسر المواطن أيضًا حقه في المعرفة وحريته فى تداول المعلومات، وتخسر الدولة واحدة من أهم أدوات كشف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة.
فالصحافة ليست مجرد مهنة لنقل الأخبار والبيانات كما يريدها البعض، بل هي مرآة المجتمع، وصوت الناس، ووسيلة تنبيه قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات يصعب علاجها.
والمؤلم أن كثيرًا من الصحفيين اليوم لم يعودوا يبحثون عن سقف مفتوح للكلام، بل فقط عن مساحة آمنة يقولون فيها الحقيقة دون خوف أو قلق أو حسابات معقدة.
معالي الزميل…
الصحفي الحقيقي محب وغيور على وطنه، ولا يريد هدم وطنه، بل يريد أن يحميه بالكلمة، لأن الكلمة الحرة كثيرًا ما تنقذ الأوطان قبل أن تصل إلى حافة الإنفجار.
ولعل أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي أمة، أن يتحول الإعلام فيها إلى صوت واحد، بينما المجتمعات بطبيعتها مليئة بالأسئلة والاختلاف والهموم والآراء.
فالقوة الحقيقية لأي دولة لا تظهر في كثرة المديح، بل في قدرتها على سماع النقد أيضًا.
فالدول الواثقة لا تخشى الكلمة، بل تعتبرها شريكًا في التصحيح والبناء، وكشف المسكوت عنه، لأن الصحافة الحرة لا تصنع الفوضى كما يظن البعض، بل تمنعها قبل أن تولد.
وإذا كانت الصحافة المصرية"كما ذكرتم" ما زالت الأكثر عراقة وتأثيرًا ومهنية، فإن الحفاظ على هذه المكانة لا يتحقق فقط بالحديث عن التاريخ والإنجازات، بل بإتاحة مناخ حقيقي تستطيع فيه الكلمة أن تتحرك بحرية ومسؤولية في الوقت نفسه، لأن الصحافة القوية لا تُبنى بالخوف، بل بالثقة.
ربما تستطيع الاجتماعات أن تُجمّل الصورة لبعض الوقت، لكن حرية الصحافة وحدها هي القادرة على إعادة الثقة بين الناس والصحافة والإعلام.
وفي النهاية، تبقى الكلمة الحرة ليست خطرًا على الأوطان، بل صمام أمان لها.
لأن الأوطان لا تضعف من كثرة الأصوات، لكنها قد تضعف حين يختفي الصوت الصادق، ولا يبقى سوى الصوت الواحد أو الصمت.











