النائبة نيفين فارس تكتب: العالم يدخل عصر اللايقين… فهل تملك الدول سيناريوهات النجاة؟
لم يعد العالم كما كان.
لم تعد القواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود قادرة على تفسير ما يحدث، ولا حتى التنبؤ بما سيأتي. نحن لا نعيش مجرد مرحلة انتقالية، بل نقف على أعتاب عصر جديد عنوانه الأبرز: اللايقين.
في هذا العالم، لم تعد الأزمات استثناء، بل أصبحت هي القاعدة.
حروب تندلع دون مقدمات واضحة، اقتصادات تتأرجح تحت ضغط قرارات مفاجئة، وتحالفات تعاد صياغتها وفق مصالح لحظية لا ثوابت فيها. كل شيء بات قابلا للتغير… بل للانقلاب.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأزمات ذاتها، بل في طريقة التفكير في مواجهتها.
فالدول لم تعد تقاس قوتها فقط بقدرتها على الرد، بل بقدرتها على التوقع والاستعداد. لم يعد كافيًا أن تمتلك أدوات القوة التقليدية، بل أصبح لزامًا عليها أن تمتلك ما هو أعمق:
رؤية تستوعب تعدد الاحتمالات، وخططًا تتعامل مع ما لم يحدث بعد.
لقد دخلنا زمن "إدارة السيناريوهات".
زمن لا تسأل فيه الدول: ماذا يحدث الآن؟
بل: ماذا يمكن أن يحدث… وكيف أكون مستعدة له قبل أن يقع؟
الدول التي لا تضع سيناريوهات بديلة، لا تخاطر فقط بالتأخر… بل تُجازف بأن تُفاجأ في لحظة لا تحتمل المفاجأة.
والتاريخ يخبرنا أن السقوط لا يأتي دائمًا نتيجة ضعف مفاجئ، بل كثيرًا ما يكون نتيجة تأخر في الفهم، أو بطء في الاستعداد.
في المقابل، هناك دول أدركت مبكرًا أن الاستقرار لم يعد حالة دائمة، بل قرار يصنع يوميا.
هذه الدول لا تنتظر الأزمات، بل تتعامل معها كاحتمال قائم في كل لحظة، فتعيد تقييم سياساتها، وتُحدّث أدواتها، وتُدرّب مؤسساتها على التفكير خارج المألوف.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة اليوم، ليس التهديدات الخارجية فحسب، بل الجمود الداخلي… الجمود في التفكير، وفي آليات اتخاذ القرار، وفي تصور أن ما نجح بالأمس يصلح بالضرورة للغد.
في عصر اللايقين، لا مكان لليقين الكامل.
ولا نجاة لمن ينتظر وضوح الصورة بالكامل قبل أن يتحرك.
النجاة الحقيقية اليوم لا تتحقق بالقوة وحدها، ولا بالموارد فقط، بل تتحقق بامتلاك القدرة على طرح السؤال الأهم:
"ماذا لو؟"
ماذا لو تغيرت موازين القوى؟
ماذا لو تعطلت سلاسل الإمداد؟
ماذا لو تحولت الأزمات الإقليمية إلى صراعات ممتدة؟
هذه الأسئلة لم تعد ترفا فكريا، بل أصبحت جزءًا من الأمن القومي بمعناه الحديث.
في النهاية، العالم لا يتجه نحو مزيد من الوضوح… بل نحو مزيد من التعقيد.
والدول التي ستنجو ليست الأقوى بالمعنى التقليدي، بل الأكثر قدرة على التكيّف، والتخطيط، واستباق المستقبل.
لأن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها اليوم هي:
أن الأزمات القادمة لن تعطي إنذارا مسبقا…
وأن من لا يملك سيناريو للنجاة، قد يجد نفسه جزءا من سيناريو لم يكتبه











