×
بوابة البرلمان

    رئيس مجلس الادارة أحمد يحيى

    رئيس التحرير أحمد الحضرى

    الأحد 3 مايو 2026 02:13 مـ
    مقالات

    أحمد الحضري يكتب .. ” قانون الأحوال الشخصية:” بين الضجيج… وحق الأسرة في ”العدل”

    بوابة البرلمان

    تابعت خلال الأيام الماضية موجة تكاد تكون ممنهجة من الهجوم على مشروع قانون الأحوال الشخصية المقدم من حزب العدل، هجومًا قاده من نصبوا أنفسهم أوفياء لنبرات نسوية معتادة، تتكرر مع كل محاولة جادة لإعادة تنظيم العلاقة داخل الأسرة المصرية. هجومٌ يعتمد في كثير من الأحيان على الشعارات الجاهزة، أكثر مما يستند إلى قراءة حقيقية لنصوص القانون أو فهم لتحديات الواقع، وكأن المطلوب ليس مناقشة مشروع قانون، بل إجهاضه قبل أن يبدأ.

    وفي هذا المناخ، يصبح من السهل تحويل أي مقترح إصلاحي إلى ساحة اشتباك أيديولوجي، بدلًا من أن يكون موضوعًا لنقاش موضوعي قائم على الكفاءة والنتائج. لكن بعيدًا عن هذا الضجيج، فإن القراءة المتأنية لمشروع القانون تكشف أنه لا ينطلق من رغبة في فرض رؤية “نسوية صدامية”، ولا يسعى لتكريس “ليبرالية شكلية”، بل يتحرك في مساحة أكثر واقعية، هدفها الأساسي إعادة التوازن داخل الأسرة المصرية، وإعادة الكفاءة لمنظومة قضائية أصبحت—باعتراف الجميع—مرهقة وبطيئة ومفتتة.

    أحد أبرز ملامح هذا المشروع هو الانتقال من منطق “تجزئة النزاع” إلى منطق “الملف الواحد”. فبدلًا من أن تتحول الخلافات الأسرية إلى عشرات القضايا المتفرقة بين نفقة وحضانة ورؤية وتمكين ومسكن، يقترح القانون مسارًا موحدًا يجمع هذه الملفات في إطار واحد، بما يقلل من الزمن المستغرق، ويحد من الاستنزاف المالي والنفسي للأطراف، ويعيد للقضاء قدرته على الحسم بدلًا من إدارة نزاعات ممتدة بلا نهاية. في دولة أصبحت فيها بعض الأسر عالقة في أكثر من عشرين أو ثلاثين قضية، لا يمكن اعتبار هذا التوجه رفاهية تشريعية، بل ضرورة مؤسسية.

    ويمتد هذا المنطق إلى معالجة ضمان الحقوق المالية، من خلال طرح فكرة صندوق دعم ورعاية الأسرة، بحيث لا يظل الطفل رهينة تعثر أحد الأبوين أو مماطلته، بل تصبح الدولة ضامنًا مرحليًا للحقوق الأساسية، ثم تسترد ما أنفقته وفق آليات واضحة. هذه المقاربة تنقل الدولة من موقع “الحَكَم بعد النزاع” إلى موقع “الضامن أثناء النزاع”.

    كما يتبنى المشروع مفهوم النفقات العاجلة، إدراكًا لحقيقة أن احتياجات الطفل لا تنتظر إجراءات التقاضي الطويلة، وهو ما يعالج خللًا هيكليًا واضحًا في المنظومة الحالية. ولا يتوقف الأمر عند النصوص، بل يمتد إلى التنفيذ، عبر طرح فكرة شرطة الأسرة كذراع متخصصة، لأن الأزمة في كثير من الأحيان لم تكن في غياب القواعد، بل في ضعف القدرة على إنفاذها.

    وفي ملف الحضانة والرؤية، يحاول المشروع كسر الجمود الذي طال هذا الملف لسنوات، عبر التحول إلى مفهوم الاصطحاب بدلًا من الرؤية التقليدية المحدودة، بما يسمح بعلاقة أكثر طبيعية بين الطفل والطرف غير الحاضن، مع وضع ضوابط تضمن مصلحة الطفل. والحقيقة أن النظام الحالي لم يعد متسقًا مع احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية، ولا مع ما استقرت عليه التجارب المقارنة.

    وفي قلب ذلك، يعيد المشروع الاعتبار لسلطة القاضي التقديرية، خاصة في ملف سن الحضانة، وهي النقطة الأكثر إثارة للخلاف. لم ينسحب حزب العدل من هذه المواجهة، بل طرح تصورًا ينقل النقاش من “السن القاطع” إلى “المصلحة الفضلى للطفل”. بهذا الطرح، لا يصبح القانون قيدًا جامدًا، بل إطارًا مرنًا يتيح تقدير كل حالة على حدة، وهو ما يعزز عدالة التطبيق بدلًا من فرض حلول نمطية على أوضاع متباينة.

    والأهم أن هذا التصور يعيد إدخال أطراف كانت غائبة عن النقاش، وعلى رأسها الأب الأرمل أو الأب الذي يجد نفسه خارج معادلة الرعاية رغم قدرته واستعداده، وهو خلل واقعي لا يمكن تجاهله إذا كنا نتحدث بجدية عن مصلحة الطفل.

    ورغم هذا البناء المتماسك، يصر البعض على اختزال النقاش في صراع تقليدي بين “حقوق المرأة” و“حقوق الرجل”، أو تحويله إلى معركة مصالح، حيث يدافع كل طرف عن موقعه دون اعتبار للصورة الكلية. وهنا تتجلى المشكلة: الخلط بين الدفاع المشروع عن الحقوق، وبين توظيف هذه الحقوق كأداة لرفض أي إعادة توازن لا تتوافق مع تصورات مسبقة.

    الحقيقة أن هذا القانون لا يخدم فئة بعينها، ولا ينحاز لطرف على حساب آخر، بل يحاول معالجة اختلالات واضحة أنتجت وضعًا أصبح فيه الطفل هو الخاسر الأول، والأسرة هي الحلقة الأضعف، بينما تغرق المحاكم في تكدس لا يعكس عدالة بقدر ما يعكس عجزًا هيكليًا.

    والمفارقة أن بعض من يرفعون راية “التقدم” يغفلون أن الإبقاء على الوضع الحالي هو في حد ذاته نقيض لأي تصور حديث للعدالة. فالقضية ليست في تبني خطاب متقدم، بل في القدرة على إنتاج نظام قانوني كفء وعادل.

    ولعل من اللافت أن هذا المشروع، بكل ما يحمله من جرأة، مقدم من النائبة فاطمة عادل، وهو ما يطرح تساؤلًا حول أسباب هذا الاستياء من بعض من نصبوا أنفسهم أوصياء حصريين على قضايا المرأة، وكأن هذه القضايا لا تحتمل إلا صوتًا واحدًا.

    لهذا، يبقى المشروع محاولة تستحق التحية، وتستحق الاشتباك الجاد، لا الرفض المسبق. محاولة تستحق نقاشًا حقيقيًا، لأنها تتعامل مع أزمة حقيقية.

    وفي لحظة تحتاج فيها الدولة إلى قوانين قابلة للتطبيق، لا إلى شعارات قابلة للتداول، يصبح من الضروري إعادة ترتيب الأولويات…

    استقيموا قليلًا… وانسوا مصالحكم بعض الوقت.

    حزب العدل قانون الاحوال الشخصيه قانون الاسره مجلس النواب اخبار البرلمان سن الحضانة الرؤية الاستضافة مصر بوابة البرلمان

    مواقيت الصلاة

    الأحد 02:13 مـ
    16 ذو القعدة 1447 هـ 03 مايو 2026 م
    مصر
    الفجر 03:35
    الشروق 05:11
    الظهر 11:52
    العصر 15:29
    المغرب 18:33
    العشاء 19:58