أحمد يحيى يكتب : الرئيس السيسي أعاد صياغة موقع مصر في النظام الدولي
منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة الدولة المصرية، برز مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» كأحد الركائز الأساسية في صياغة السياسة الخارجية لمصر، وهو مفهوم يعكس تحوّلًا واعيًا في إدارة العلاقات الدولية، قائمًا على تحقيق التوازن بين القوى العالمية والإقليمية، بما يخدم المصالح الوطنية دون الانحياز المطلق لأي طرف.
يقوم هذا النهج على فكرة محورية مفادها أن الدولة القوية هي التي تمتلك قرارها المستقل، وتستطيع أن تنفتح على الجميع دون أن تقع في دائرة التبعية أو الاستقطاب. ومن هنا، حرصت مصر على تنويع شراكاتها الدولية، فوسّعت علاقاتها مع القوى الكبرى شرقًا وغربًا، وأعادت صياغة حضورها الإقليمي في العالم العربي وإفريقيا، بالتوازي مع الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية التقليدية.
الاتزان الاستراتيجي لم يكن مجرد شعار سياسي، بل تُرجم إلى ممارسات واقعية. فقد انتهجت مصر سياسة تقوم على عدم الدخول في محاور متصارعة، مع الاحتفاظ بقدرتها على التعاون مع مختلف الأطراف في آن واحد. هذا التوازن منح الدولة مرونة في التحرك، وقلّل من الضغوط الخارجية، وساهم في تعزيز دورها كوسيط موثوق في العديد من القضايا الإقليمية.
كما ارتبط هذا المفهوم بإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي المصري، بحيث لم يعد مقتصرًا على البعد العسكري، بل امتد ليشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي، وهو ما انعكس في التحركات الدبلوماسية المتوازنة التي تسعى إلى حماية مصالح مصر في مختلف الملفات، خاصة في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة وصراعات متشابكة.
وفي ظل هذا النهج، استطاعت مصر أن تحافظ على علاقات متوازنة مع قوى دولية متنافسة، دون أن تفقد ثقة أي منها، وهو ما عزز من مكانتها كدولة ذات ثقل إقليمي ودولي. كما أتاح لها هذا الاتزان أن تلعب أدوارًا محورية في قضايا مثل مكافحة الإرهاب، وتسوية النزاعات، ودعم الاستقرار في المنطقة.
الاتزان الاستراتيجي أيضًا يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة النظام الدولي الجديد، الذي لم يعد قائمًا على القطبية الأحادية، بل يتجه نحو تعددية في مراكز القوة. ومن ثم، فإن الحفاظ على علاقات متوازنة مع هذه المراكز أصبح ضرورة وليس خيارًا.
في النهاية، يمكن القول إن رؤية الرئيس السيسي للسياسة الخارجية، القائمة على الاتزان الاستراتيجي، أسهمت في إعادة تموضع مصر على خريطة العالم، وجعلت من القرار المصري أكثر استقلالية ومرونة. وهي رؤية تؤكد أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدراتها، بل بقدرتها على إدارة علاقاتها بذكاء، وتحقيق مصالحها دون صدام، في عالم تتزايد فيه التحديات وتتعقد فيه الحسابات












