د . راندا مصطفي تكتب : صياغة جديدة للاقتصاد.. ”مستقبل مصر” كركيزة للتنمية المستدامة
في لحظات العمل الوطني الفارقة، لا يقاس نجاح التشريعات بحجم المواد والبنود التي تتضمنها، بل بمدى قدرتها على استشراف المستقبل وترجمة طموحات هذا الوطن إلى واقع ملموس. ومن هذا المنطلق، جاءت مناقشات مشروع قانون إنشاء "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة" لتؤكد أننا لسنا بصدد إقرار قانون لإنشاء جهاز إداري جديد، بل نحن أمام صياغة لـ "رؤية متكاملة" تستهدف إدارة مقدرات الدولة واستثمارها بأعلى درجات الكفاءة، وبما يضمن حقوق الأجيال القادمة في ثروات وطنهم.
إن الجهد الكبير الذي بذلته الحكومة في إعداد هذا المشروع، والعمل الدؤوب الذي شهدته أروقة اللجنة التشريعية برئاسة المستشار محمد عيد محجوب، بمشاركة اللجان النوعية على مدار أكثر من 14 ساعة من النقاشات المستفيضة، يعكس إدراكاً عميقاً للأهمية الاستراتيجية لهذا التشريع.
نجاحات الواقع تفرض نفسها
لم يأتِ هذا القانون من فراغ، بل يستند إلى أرضية صلبة من الإنجازات التي حققها "جهاز مستقبل مصر" على مدار السنوات الماضية. لقد تابعنا جميعاً كيف استطاع هذا الكيان تحقيق نجاحات قفزت بمعدلات الإنتاج في مجالات الزراعة والتصنيع الغذائي، وأثبتت التجربة العملية أن الإدارة الاحترافية والتخطيط العلمي الصارم هما المفتاح الحقيقي لتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، حتى في ظل أعتى الأزمات الاقتصادية العالمية.
إن هذا القانون يمثل خطوة حاسمة نحو:
توحيد الجهود الوطنية وتطوير آليات إدارة المشروعات القومية الكبرى.
توسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وهو السبيل الوحيد لتقليل الفجوة الاستيرادية.
دعم منظومة الأمن الغذائي للدولة المصرية، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي.
توفير آلاف من فرص العمل الجديدة للشباب المصري في قطاعات تنموية واعدة.
الحوكمة والتكامل مع القطاع الخاص.. روشتة النجاح
ومع دعمنا الكامل والمطلق لـ "جهاز مستقبل مصر"، فإن الأمانة البرلمانية والمسؤولية الوطنية تحتم علينا التأكيد على أن استدامة هذا النجاح ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوضع محددات واضحة وقواعد راسخة، في مقدمتها تحقيق أعلى درجات الشفافية والحوكمة.
إن تفعيل آليات واضحة للرقابة والمساءلة ليس قيداً على الحركة، بل هو سياج لحماية الإنجازات وضمان لتوجيه الموارد في مساراتها الصحيحة. ومن جهة أخرى، يجب أن ينطلق عمل الجهاز من مبدأ التكامل والشراكة مع القطاع الخاص؛ فالهدف الأسمى هو أن يكون هذا الكيان دافعاً ومحفزاً للاستثمار الاستراتيجي ومسانداً للمستثمرين، وليس منافساً لهم، فالقطاع الخاص يظل شريكاً أساسياً في بناء الاقتصاد الوطني.
المواطن أولاً وأخيراً
إن المواطن المصري، الذي يتحمل بكل وعي وصبر تبعات الإصلاح الاقتصادي، ينتظر من مؤسساته التشريعية والتنفيذية خطوات عملية تلمس حياته اليومية. ينتظر مؤسسات قوية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة، توفير الغذاء الآمن، وخلق فرص العمل، وبناء اقتصاد مرن يمتلك القدرة التنافسية والصلابة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
ولأننا نؤمن بأن هذا القانون يصب مباشرة في مصلحة المواطن، جاء تأييدنا له من حيث المبدأ. ولكن هذا التأييد لا يعنى انتهاء الدور البرلماني، بل هو بداية لمرحلة جديدة من المتابعة والرقابة البرلمانية اللصيقة، لضمان ترجمة نصوص هذا القانون إلى عوائد اقتصادية واجتماعية تعظم من قوة الاقتصاد الوطني، وتخدم حاضر مصر وتؤمن مستقبل أبنائها












