د. هبة عرابي تكتب: قانون فصل المتعاطين… أم حكم بالإعدام على أسر المفصولين؟
عندما أقر المشرع القانون رقم (73) لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، كان الهدف المعلن واضحًا ومشروعًا، وهو حماية المرافق العامة وضمان سلامة العاملين والمتعاملين معها من خلال مكافحة تعاطي المواد المخدرة. ولا خلاف على أن مواجهة الإدمان مسؤولية وطنية، وأن الحفاظ على كفاءة الجهاز الإداري للدولة وحماية أرواح المواطنين من أي ممارسات تهدد سلامتهم يمثل أولوية لا يمكن التهاون فيها.
غير أن التشريعات لا تُقاس فقط بحسن نواياها، وإنما بما تحققه من عدالة في التطبيق، وبقدرتها على تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصون حقوق الأفراد. وبعد مرور عدة سنوات على تطبيق هذا القانون، بات من الضروري تقييم أثره التشريعي والاجتماعي، والوقوف أمام ما كشفه الواقع من تحديات تستحق المراجعة.
لقد التزمت الدولة المصرية بتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030، التي تؤكد أهمية توفير العمل اللائق، وحماية رأس المال البشري، وتعزيز العدالة الاجتماعية. ومن ثم، فإن أي تشريع يتعلق بالعمل يجب أن يراعي هذه المبادئ، وألا يؤدي إلى نتائج تتجاوز الهدف الذي صدر من أجله.
ومن خلال متابعة العديد من الحالات ودراسة الواقع العملي لتطبيق القانون، برزت عدة إشكاليات لا يمكن تجاهلها. فقد وردت شكاوى تتعلق بإجراءات التحاليل، ومدى استيفائها للضمانات القانونية، كما ظهرت حالات ثبت فيها أن إيجابية نتائج التحليل كانت نتيجة تناول أدوية علاجية موصوفة طبيًا، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى كفاية الإجراءات المتبعة للتمييز بين العلاج المشروع والتعاطي غير المشروع.
كما أن التطبيق العملي كشف عن الحاجة إلى آليات أكثر دقة للتفرقة بين من وقع في التعاطي العرضي، ومن يحتاج إلى برنامج علاجي وتأهيلي، وبين المدمن الذي يمثل خطرًا حقيقيًا على بيئة العمل. فالمساواة بين هذه الحالات المختلفة قد تؤدي إلى نتائج لا تحقق العدالة التي يستهدفها القانون.
ومن الإشكاليات التي تستحق المراجعة أيضًا، ما يتعلق بحق العامل في إجراء التحليل التأكيدي، وضمان حقه في الدفاع والطعن على القرارات الصادرة بحقه وفقًا للإجراءات القانونية السليمة. فالعدالة لا تتحقق بمجرد توقيع العقوبة، وإنما بضمان سلامة الإجراءات التي تسبقها.
ولا تقف آثار الفصل عند العامل وحده، بل تمتد إلى أسرته التي تجد نفسها فجأة أمام فقدان مصدر الدخل، بما ينعكس على المستوى المعيشي والتعليمي والاجتماعي لأفرادها. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يحقق التشريع هدفه في حماية المجتمع إذا ترتب على تطبيقه خلق أزمات اجتماعية جديدة تمس آلاف الأسر؟
إن مكافحة المخدرات لا تعني بالضرورة أن يكون الفصل هو الحل الوحيد في جميع الحالات. فالتجارب التشريعية الحديثة في العديد من الدول تقوم على فلسفة الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل، باعتبارها وسائل أكثر فاعلية في تحويل المتعافي إلى عنصر منتج، بدلاً من دفعه إلى دائرة البطالة والتهميش، بما قد يفاقم المشكلات التي يسعى القانون إلى معالجتها.
ولذلك، فإن إعادة النظر في بعض أحكام القانون رقم (73) لسنة 2021 لا تعني التراجع عن مواجهة الإدمان، وإنما تعني تطوير المنظومة التشريعية بما يحقق التوازن بين حماية المرافق العامة، وضمان العدالة الإجرائية، وصون الحق في العمل، مع توفير ضمانات كافية للتحقق من نتائج التحاليل، وإتاحة فرص العلاج والتأهيل للحالات التي تستحق ذلك.
إن بناء الجمهورية الجديدة لا يقوم فقط على إصدار التشريعات، بل على مراجعتها وتقييم آثارها كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك. فالتشريع الناجح هو الذي يحقق الردع دون ظلم، ويحمي المجتمع دون أن يهدر حقوق الإنسان، ويوازن بين الأمن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية.
ومن هنا، فإنني أدعو إلى فتح حوار مجتمعي جاد يضم البرلمان، والأحزاب السياسية، والنقابات، والمتخصصين في القانون والطب والصحة النفسية، من أجل تقييم أثر هذا القانون بعد سنوات من تطبيقه، والوصول إلى تعديلات تحقق الهدف المنشود، وتحافظ على هيبة الدولة، وفي الوقت ذاته تصون كرامة المواطن، وتحمي الأسرة المصرية، باعتبارها حجر الأساس في بناء المجتمع











