أحمد أبو صالح يكتب: لن تغسلوا وجوهكم على حساب أصحاب المعاشات!
خرج علينا يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق محاولًا تبييض صفحته وغسل سمعته فى واحد من أكثر الملفات التى أثارت غضب ملايين المصريين، وهو ملف أموال التأمينات والمعاشات وخلال حواره مع الإعلامية لميس الحديدى، روى بنفسه تفاصيل تعيد فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل فى تاريخ الاقتصاد المصرى.
قال إنه اقترح استثمار جزء من مليارات أموال التأمينات والمعاشات فى البورصة المصرية لدعمها خلال فترة تراجعها وسيطرة الأفراد عليها وقتها ، وروى أن هذا الأمر جرى خلال لقاء جمعه بالدكتورة ميرفت التلاوى، وزيرة التأمينات والمعاشات السابقة، فى فراندة منزلها بحى الزمالك، حيث تمت مناقشة ملف يتعلق بمليارات الجنيهات من أموال أصحاب المعاشات.
وهنا يتوقف العقل أمام المشهد قبل أن يتوقف أمام الفكرة نفسها، فهل يعقل أن تُناقش قضية تمس مليارات الجنيهات، وهى أموال ملايين المصريين، فى فراندة منزل خاص؟! وأين كانت المؤسسات؟ وأين اللجان المختصة؟ وأين الدراسات الاقتصادية؟ وأين قواعد الحوكمة التى تحكم إدارة أموال التأمينات والمعاشات؟
إذا كانت هذه هى الرواية التى يرويها يوسف بطرس غالى بنفسه، فإنها تكشف كيف كانت تُدار بعض أخطر الملفات الاقتصادية فى تلك المرحلة، فحين تصبح مليارات الجنيهات من أموال التأمينات محل نقاش فى جلسة خاصة، فإن ذلك يثير تساؤلات كبيرة حول أسلوب صناعة القرار، وكيف كانت تُناقش ملفات تمس حقوق ملايين المواطنين، وقال إنها لم تحقق خسائر بلا بالعكس حققت أرباحا.
لكن المفاجأة لم تتوقف عند تصريحات يوسف بطرس غالى، فسرعان ما خرجت الدكتورة ميرفت التلاوى لتنفى روايته، مؤكدة أن ما قاله تضمن معلومات غير صحيحة، ونفت تحقيق أموال التأمينات للعائد الذى تحدث عنه، واتهمته باستخدام أموال التأمينات فى تمويل مشروعات مختلفة لتخفيف أعباء الموازنة العامة، متسائلة: ماذا استفاد أصحاب المعاشات من كل ذلك؟
وهكذا أصبحنا أمام روايتين متناقضتين يقدمهما اثنان كانا فى قلب صناعة القرار، كل طرف يبرئ نفسه، ويلقى بالمسؤولية على الآخر، بينما يبقى أصحاب المعاشات وحدهم هم الضحية الحقيقية.
وحين يقول يوسف بطرس غالى إنه اندهش من حب المصريين له، فإن هذا التصريح لا يحتاج إلى تعليق، بقدر ما يحتاج إلى وقفة مع الذاكرة الوطنية، فكيف يمكن لمن ارتبط اسمه، فى أذهان قطاع واسع من المصريين، بسياسات أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا، أن يتحدث عن حب الناس له؟ هذا الكلام لا يعبر عما استقر فى وجدان كثير من المصريين، الذين لم ينسوا تلك المرحلة، ولم ينسوا آثارها، ولا يزالون يحتفظون بصورة مختلفة تمامًا عن تلك التى يحاول البعض رسمها اليوم، فالتاريخ لا يُكتب بالروايات المتأخرة، وذاكرة الشعوب لا تُمحى بتصريح إعلامى.
ولن أتوقف هنا عند قضايا الفساد التى وُجهت إليه بعد أحداث يناير 2011، والاتهامات التى شغلت الرأى العام آنذاك، ولا عند خروجه من مصر فى تلك الفترة، ثم عودته إليها بعد سنوات طويلة. فهذه كلها وقائع يعرفها المصريون، لكن ما يعنينى اليوم هو أن الملايين من أصحاب المعاشات لا يبحثون عن تبريرات متأخرة، ولا عن إعادة كتابة التاريخ، وإنما يبحثون عن الحقيقة كاملة، وعن حقوقهم التى لا تسقط بالتقادم.
إن القضية ليست معركة بين يوسف بطرس غالى وميرفت التلاوى، وإنما قضية ملايين المصريين الذين اقتطع من رواتبهم طوال سنوات خدمتهم ليضمنوا حياة كريمة بعد التقاعد، فإذا بهم يجدون أنفسهم اليوم يستمعون إلى تبادل الاتهامات، بينما لا يزال السؤال الأكبر بلا إجابة.
من الذى اتخذ القرار؟ ومن وافق عليه؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عما جرى؟ وأين ذهبت حقوق أصحاب المعاشات؟
فالمصريون لا يريدون روايات متناقضة بعد كل هذه السنوات، وإنما يريدون الحقيقة كاملة، لأن أموال التأمينات لم تكن يومًا أموال حكومة، ولا أموال وزراء، بل كانت أموال شعب أفنى عمره فى العمل، ومن حقه أن يعرف كيف أُديرت، وكيف استُخدمت، ومن يتحمل مسؤولية كل قرار اتُّخذ بشأنها ومحاسبة المتورطين فى خسائرها.
استقيموا يرحمكم الله.











